وقال تعالى: { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ } (البقرة: 177) . فأخبر عز وجل أن حقيقة البر: هو الإيمان بما ذكر من أركان الإيمان ، والعمل بخصال البر الواردة في الآية بعد هذا . وذكر من أركان الإيمان:"الإيمان بالكتاب"قال ابن كثير: هو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء . حتى ختمت بأشرفها ، وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب .
ولتقرير الإيمان بالكتب كلها أمر الله عباده المؤمنين أن يخاطبوا أهل الكتاب بقوله تعالى: { قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } (البقرة: 136) .
فتضمنت الآية إيمان المؤمنين بما أنزل الله عليهم بواسطة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وما أنزل على أعيان الرسل المذكورين في الآية ، وما أنزل على بقية الأنبياء في الجملة وأنهم لا يفرقون بين الرسل في الإيمان ببعضهم دون بعض فانتظم ذلك الإيمان بجميع الرسل وكل ما أنزل الله عليهم من الكتب ..
وأما السنَّة فقد دلت كذلك على وجوب الإيمان بالكتب . وأن الإيمان بها ركن من أركان الإيمان ، دل على ذلك حديث جبريل ، وسؤاله النبي - صلى الله عليه وسلم - أركان الإيمان ، فذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - في إجابته: الإيمان بالكتب مع بقية أركان الإيمان . وقد تقدم الحديث بنصه في الفصل السابق فأغنى عن إعادته هنا .
فتقرر بهذا وجوب الإيمان بالكتب والتصديق بها جميعها ، واعتقاد أنها كلها من الله تعالى أنزلها على رسله بالحق والهدى والنور والضياء ، وأن من كذب بها أو جحد شيئا منها فهو كافر بالله خارج من الدين . [1]
وعلى ضوء ذلك نقول الحقائق التالية:
أولا: يجب على المؤمن أن يعتقد جازما بأن الله تعالى قد أوحى بهذه الكتب إلى الرسل المرسلين للبشرية ، والإيمان بها على النحو التالي:
(1) - التصديق الجازم بأنها كلها منزلة من الله عز وجل ، وأنها كلام الله تعالى لا كلام غيره ، وأن الله تكلم بها حقيقة كما شاء وعلى الوجه الذي أراد سبحانه . قال تعالى: { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ } { مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ } (آل عمران: 2- 4) .
(1) - انظر الإيمان في ضوء الكتاب والسنة - (1 / 160) وتفسير ابن كثير 1 / 297 .