بذلك تخف تلك الثقلة التي تهبط بالمنافقين في الحياة الدنيا إلى اللصوق بالأرض ، وتهبط بهم في الحياة الآخرة إلى الدرك الأسفل من النار.
وبذلك يرتفع التائبون منهم إلى مصاف المؤمنين المعتزين بعزة اللّه وحده. المستعلين بالإيمان. المنطلقين من ثقلة الأرض بقوة الإيمان .. وجزاء المؤمنين - ومن معهم - معروف: «وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا» .
وبهذه اللمسات المنوعة ، يكشف حقيقة المنافقين في المجتمع المسلم ، ويقلل من شأنهم وينبه المؤمنين إلى مزالق النفاق ، ويحذرهم مصيره. ويفتح باب التوبة للمنافقين ليحاول من فيه منهم خير ، أن يخلص نفسه ، وينضم إلى الصف المسلم في صدق وفي حرارة وفي إخلاص .. [1]
حكم النفاق العملي: حكمه حكم الفسق وهو معصية يجب الرجوع عنها.
قال بعض العلماء: ولكن من هو المنافق الذي يستحق أشد العقاب ، ويكون في أعمق النيران يوم القيامة؟
نقول في الجواب عن ذلك: إنه المنافق الخالص الذي لم يكن فيه خصلة أو أكثر من خصلة فقط ، ولكن هو الذي كفر باللّه وبالرسالة المحمدية ، ولم يكتف بذلك بل أظهر الإسلام ليفسد بين المسلمين ويتعرف أسرارهم.
ذلك أن النفاق درجات هذا أعلاها ، وهو أشد الكفر. ودونه بعد ذلك مراتب تكون بين المسلمين ولا تخرج المسلم عن إسلامه ، وإن كانت تجعل إيمانه ضعيفا. ومن ذلك ممالأة الحكام ، والسكوت عن كلمة الحق مع النطق بالباطل ملقا وخداعا.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ , إِنَّا نَدْخُلُ عَلَى السُّلْطَانِ فَنَقُولُ لَهُ مَا نَتَكَلَّمُ بِخِلَافِهِ إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ . فَقَالَ:"كُنَّا نَعُدُّ هَذَا نِفَاقًا" [2]
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (2 / 785)
(2) - جُزْءُ حَنْبَلِ بْنِ إِسْحَاقَ (1 ) صحيح وانظر التفسير الوسيط للقرآن الكريم-موافق للمطبوع - (3 / 360)