فهرس الكتاب

الصفحة 321 من 559

فدلت هذه الآيات على موت الأنبياء وأنهم يموتون كما يموت بقية البشر إلا ما أخبر به الله عز وجل عن عيسى عليه السلام من رفعه إليه كما قال تعالى: { إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } (آل عمران: 55) . فدلت الآية على رفع الله تعالى لعيسى بجسده وروحه إلى السماء وأنه لم يمت .

وللعلماء في تفسير هذه الآية الكريمة أقوال كثيرة أشهرها قولان:

أما القول الأول: وهو قول جمهور العلماء - فيرى أصحابه أن معنى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ أى قابضك من الأرض ورافعك إلى السماء بجسدك وروحك لتستوفى حظك من الحياة هناك.

وأصحاب هذا الرأى لا يفسرون التوفي بالموت وإنما يقولون: إن التوفي في اللغة معناه أخذ الشيء تاما وافيا. فمعنى مُتَوَفِّيكَ آخذك وافيا بروحك وجسدك ومعنى وَرافِعُكَ إِلَيَّ ورافعك إلى محل كرامتي في السماء فالعطف للتفسير. يقال: وفيت فلانا حقه أى أعطيته إياه وافيا فاستوفاه وتوفاه أى أخذه وافيا كاملا.

قال القرطبي: « قال الحسن وابن جريج: معنى متوفيك قابضك ورافعك إلى السماء من غير موت ، مثل توفيت مالي من فلان أى قبضته » [1]

أما القول الثاني: وهو قول قلة من العلماء - فيرى أصحابه أن معنى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ أى مميتك ورافع منزلتك وروحك إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي كما ترفع أرواح الأنبياء إليه - سبحانه - .

فأنت ترى أن أصحاب هذا الرأى يفسرون التوفي بالإماتة ، ويقولون إن هذا التفسير هو الظاهر من معنى التوفي ويفسرون وَرافِعُكَ إِلَيَّ بمعنى رفع الروح إلى السماء.

أى أن اللّه - تعالى - قد توفى عيسى كما يتوفى الأنفس كلها ، ورفع روحه إليه كما يرفع أرواح النبيين.

والذي تسكن إليه النفس هو القول الأول لأمور:

أولها: أن قوله - تعالى - في سورة النساء وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا ، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ « الآيتان 157 ، 158 » يفيد أن الرفع كان بجسم عيسى وروحه لأن الإضراب مقابل للقتل والصلب الذي أرادوه وزعموا حصوله ، ولا يصح مقابلا لهما رفعه بالروح لأن الرفع بالروح يجوز أن يجتمع معهما ومادام الرفع بالروح لا يصح مقابلا لهما إذن يكون المتعين أن المقابل لهما هو الرفع بالجسد والروح.

ثانيها: أن هناك أحاديث متعددة ، بلغت في قوتها مبلغ التواتر المعنوي - كما يقول ابن كثير - قد وردت في شأن نزول عيسى إلى الأرض في آخر الزمان ليملأها عدلا كما ملئت جورا ، وليكون

(1) - تفسير القرطبي ج 4 ص 100.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت