فهرس الكتاب

الصفحة 346 من 559

وهذه العبارة الأخيرة دالة على بعد نظره، فقد يفهم من العبارة السابقة نفي الولاية عن عوام الناس الذين يعلمون الدين بشكل أجمالي فجاءت العبارة الثانية مفصلة لما قد يلتبس.

"فأمَّا الذي يرائي بعمله الذي ليس بمشروعٍ، فهذا بمنزلة الفاسق الذي ينتسبُ إلى العلم ويكون علمهُ من الكلامِ المخالف لكتابِ الله وسنَّةِ رسوله، فكلٌّ من هذين الصنفين بعيدٌ عن ولاية اللهِ تعالى ،بخلاف العالم الفاجر ِالذي يقول ما يوافقُ الكتابَ والسنَّةَ، والعابدِ الجاهلِ الذي يقصدُ بعبادتهِ الخيرَ، فإنَّ كلًّا من هذينِ مخالفٌ لأولياءِ الله منْ وجهٍ دون وجهٍ، فقد يكون في الرجلِ بعضُ خصالِ أولياءِ الله دون بعضٍ ، وقد يكونُ فيما ذكرَ معذورًا بخطأِ أو نسيانٍ وقد لا يكون معذورًا اهـ [1] "

"وَأَمَّا الَّذِي أُوتِيَ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ فَهُوَ مُؤْمِنٌ عَلِيمٌ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الْعِلْمِ مِثْلَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْإِيمَانِ ؛ فَهَذَا أَصْلٌ تَجِبُ مَعْرِفَتُهُ ."

وَهَهُنَا"أَصْلٌ آخَرُ": وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ عَمَلٍ أَوْرَثَ كُشُوفًا أَوْ تَصَرُّفًا فِي الْكَوْنِ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي لَا يُورِثُ كَشْفًا وَتَصَرُّفًا ؛ فَإِنَّ الْكَشْفَ وَالتَّصَرُّفَ إنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى دِينِ اللَّهِ وَإِلَّا كَانَ مِنْ مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا . وَقَدْ يَحْصُلُ ذَلِكَ لِلْكُفَّارِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ ،وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ ؛ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ .فَفَضَائِلُ الْأَعْمَالِ وَدَرَجَاتِهَا لَا تُتَلَقَّى مِنْ مِثْلِ هَذَا ؛ وَإِنَّمَا تُتَلَقَّى مِنْ دَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ؛ وَلِهَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْمَالِ يَحْصُلُ لِصَاحِبِهِ فِي الدُّنْيَا رِئَاسَةٌ وَمَالٌ فَأَكْرَمُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ . وَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَقَدْ أَفْسَدَ أَكْثَرُ مِمَّا يُصْلِحُ ،َإِنْ حَصَلَ لَهُ كَشْفٌ وَتَصَرُّفٌ ؛ وَإِنْ اقْتَدَى بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ الْعَامَّةِ". [2] "

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله [3] :

"وَإِذَا كَانَ"أَوْلِيَاءُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ"هُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّقُونَ . وَالنَّاسُ يَتَفَاضَلُونَ فِي الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى فَهُمْ مُتَفَاضِلُونَ فِي وِلَايَةِ اللَّهِ بِحَسَبِ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا مُتَفَاضِلِينَ فِي الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ كَانُوا مُتَفَاضِلِينَ فِي عَدَاوَةِ اللَّهِ بِحَسَبِ ذَلِكَ ."

وَأَصْلُ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى: الْإِيمَانُ بِرُسُلِ اللَّهِ وَجِمَاعُ ذَلِكَ: الْإِيمَانُ بِخَاتَمِ الرُّسُلِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - فَالْإِيمَانُ بِهِ يَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ كُتُبِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَأَصْلُ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ هُوَ الْكُفْرُ بِالرُّسُلِ وَبِمَا جَاءُوا بِهِ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْكُفْرُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ الْعَذَابَ فِي الْآخِرَةِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا إلَّا بَعْدَ بُلُوغِ الرِّسَالَةِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (15) سورة الإسراء ،وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ

(1) - مختصر الفتاوي المصرية لابن تيمية - (ج 2 / ص 22)

(2) - مجموع الفتاوى - (ج 10 / ص 7) و مجموع الفتاوى - (ج 11 / ص 396)

(3) - الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان بتحقيقي ص 271

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت