فهرس الكتاب

الصفحة 364 من 559

ومن غناه تعالى، أن أغنى الخلق في الدنيا والآخرة، الحميد في ذاته، وأسمائه، لأنها حسنى، وأوصافه، لكونها عليا، وأفعاله لأنها فضل وإحسان وعدل وحكمة ورحمة، وفي أوامره ونواهيه، فهو الحميد على ما فيه، وعلى ما منه، وهو الحميد في غناه [الغني في حمده] .

{ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } يحتمل أن المراد: إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بغيركم من الناس، أطوع للّه منكم، ويكون في هذا تهديد لهم بالهلاك والإبادة، وأن مشيئته غير قاصرة عن ذلك.

ويحتمل أن المراد بذلك، إثبات البعث والنشور، وأن مشيئة اللّه تعالى نافذة في كل شيء، وفي إعادتكم بعد موتكم خلقا جديدا، ولكن لذلك الوقت أجل قدره اللّه، لا يتقدم عنه ولا يتأخر.

{ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ } أي: بممتنع، ولا معجز له.

ويدل على المعنى الأخير، ما ذكره بعده في قوله: { وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } أي: في يوم القيامة كل أحد يجازى بعمله، ولا يحمل أحد ذنب أحد." [1] "

وقال الخطيب:

"وفى قوله تعالى: « يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ » دعوة للناس أن يتجهوا بحاجاتهم إلى من يملك كل شىء ، ومن بيده الخير كله .. والناس جميعا في حاجة دائمة إلى من يعينهم ، ويقضى حوائجهم ، وهم يتوسلون إلى هذا بكثير من الوسائل ، ومنها عبادة الأصنام ، والملائكة والجنّ ، والملوك وأصحاب الجاه والسلطان ، يبغون بذلك الخير منهم .. وكلهم إنما يتناولون ما بين أيديهم من جاء ، أو سلطان ، أو مال ـ من عطاء اللّه .. إنهم فقراء إلى اللّه .."

إن حبس عنهم العطاء ، كانوا أفقر الفقراء ، وأضعف الضعفاء .. وإذن فالناس جميعا ـ غنيّهم وفقيرهم ـ فقير إلى اللّه .. « كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا » (20: الإسراء)

وقوله تعالى: « وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ » حثّ للناس على الطلب من اللّه ، والرغب إليه فيما عنده .. فإنه سبحانه غنىّ ، لا تنفذ خزائنه ، ولا تنقص بالعطاء أبدا .. « وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ » (32: النساء) فهو سبحانه يستجيب لمن سأله ، ويعطيه ما شاء من فضله .. وهو سبحانه « حميد » أي يحمد لعباده ما يلقون به عطاءه ، من حمد وشكر ، أيّا كان هذا العطاء ، قليلا أو كثيرا ..إنه فضل من فضل وإحسان من إحسانه .. وإن من لا يشكر على القليل لا يشكر على الكثير ..

قوله تعالى: « إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ » أي إن من فقركم إلى اللّه ، أيها الناس ، هو احتياجكم إليه في حفظ حياتكم ..فهو سبحانه الذي أوجدكم ، وهو سبحانه

(1) - تفسير السعدي - (1 / 687)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت