وهكذا فالمؤمنُ يسعى لعملِ الخير ، ويحبُّ للناس ما يحبُّ لنفسه ، فإنْ وصلَ إلى ما يصبو إليه حمِدَ الله وشكرَهُ على نِعَمِهِ ، وإنْ لم يصلْ إلى شيءٍ من ذلك صبرَ ولم يجزعْ ، ولم يحقِدْ على غيرهِ ممنْ نالَ من الفضلِ ما لم ينلْهُ ؛ لأن اللهَ هو الذي يقسِم الأرزاق َ بين العبادِ قال تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} (32) سورة الزخرف.
5.والإيمانُ بالقدر يبعث في القلوب الشجاعةَ على مواجهة الشدائد ، ويقوي فيها العزائمَ فتثبت في ساحات الجهادِ ولا تخافُ الموتَ ، لأنها توقنُ أن الآجالَ محدودة ٌلا تتقدم ولا تتأخر لحظة واحدة . قال تعالى: { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ 34} الأعراف ، وقال تعالى ردا على المنافقين: { وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (17) } ْ [الأحزاب/15-17]
6-الإيمانُ بالقدر من أكبر العوامل التي تكونُ سببًا في استقامةِ المسلمِ، وخاصة في معاملته للآخرينَ، فحين يقصِّرُ في حقّهِ أحدٌ أو يسيءُ إليه أو يردُّ إحسانهُ بالإساءةِ أو ينالُ من عرضهِ بغير حق ٍّتجدهُ يعفو ويصفحُ، لأنه يعلم أن ذلك مقدّرٌ، وهذا إنما يحسنُ إذا كان في حقِّ نفسهِ، أمّا في حقِّ الله فلا يجوزُ العفوُ ولا التعللُ بالقدَر، لأن القدرَ إنما يحتجُّ به في المصائبِ لا في المعايبِ.،كما في قصة ِ مسطح رضي الله عنه عندما صدَّق أكاذيب المنافقين حول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، ولما أنزل الله تعالى براءتها من السماء« قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ: وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (22) سورة النور
قَالَ أَبُو بَكْرٍ بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَالَ وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا عَنْهُ أَبَدًا » (أخرجه البخاري ومسلم ) [1] .
7.والإيمانُ بالقدَر يغرسُ في نفس المؤمن حقائقَ الإيمان المتعددة ، فهو دائم ُالاستعانةِ بالله ، يعتمد على الله ويتوكلُ عليه مع فعل الأسبابِ ، وهو أيضًا دائمُ الافتقارِ إلى ربه - تعالى - يستمدُّ منه العونَ على الثبات ، ويطلبُ منه المزيد ، وهو أيضًا كريمٌ يحبُّ الإحسانِ إلى الآخرين ، فتجده يعطفُ عليهم
(1) - البخاري برقم ( 6185) و مسلم برقم (4974)