فهرس الكتاب

الصفحة 409 من 559

قال الخطابي - رحمه الله -:"هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده ، وأنه شخص بعينه ابتلى الله به عباده ، وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى ، من إحياء الميت الذي يقتله ، ومن ظهور زهرة الدنيا ، والخصب معه ، وجنته وناره ونهريه ، واتباع كنوز الأرض له ، وأمره السماء أن تمطر فتمطر ، والأرض أن تنبت فتنبت ، فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته ، ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره ، ويبطل أمره ويقتله عيسى - صلى الله عليه وسلم - ويثبت الله الذين آمنوا . هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار ، خلافا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج [1] , والجهمية [2] وبعض المعتزلة [3] ، وخلافا للبخاري المعتزلي وموافقيه من الجهمية وغيرهم في أنه صحيح الوجود ، ولكن الذي يدعي مخارق وخيالات لا حقائق لها . وزعموا أنه لو كان حقًّا لم يوثق بمعجزات الأنبياء - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا غلط من جميعهم ؛ لأنه لم يدع النبوة فيكون ما معه كالتصديق له ، وإنما يدعي الإلهية وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله ، ووجود دلائل الحدوث فيه ونقص صورته وعجزه عن إزالة العور الذي في عينيه ، وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه ، ولهذه الدلائل وغيرها لا يغتر به إلا رعاع من الناس لسد الحاجة والفاقة رغبة في سد الرمق أو تقية وخوفا من أذاه ؛ لأن فتنته عظيمة جدا تدهش العقول وتحير الألباب مع سرعة مروره في الأرض فلا يمكث بحيث يتأمل الضعفاء حاله ، ولهذا حذرت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من فتنته ونبهوا على نقصه ودلائل إبطاله . وأما أهل التوفيق فلا يغترون ولا يخدعون بما معه لما ذكرناه من الدلائل المكذوبة له مع ما سبق لهم من العلم بحاله ، ولهذا يقول الذي يقتله ثم يحييه: ما ازددت فيك إلا بصيرة" [4]

(1) - الخوارج: هم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه عام 37 هـ ، ويجمعهم القول بالتبري من عثمان وعلي - رضي الله عنهما - كما أجمعوا - عدا النجدات منهم - على تكفير مرتكب الكبيرة وتخليده في النار إذا مات مصرا عليها ، وقد ورد في ذمهم والترغيب في قتالهم أحاديث صحيحة مرفوعة ، وقد افترقوا على نحو عشرين فرقة ، ومن أسمائهم أيضا الحرورية . انظر: مقالات الإسلاميين ( 1 / 167 ) ، وتلبيس إبليس ص ( 9 ) ، والملل والنحل ( 1 / 114 ) .

(2) - الجهمية هم أتباع الجهم بن صفوان الذي قال: بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال ، وأنكر الاستطاعات لها ، وزعم أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط وأن الكفر هو الجهل به ، وزعم أيضا أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان . انظر: مقالات الإسلامين ( 1 / 338 ) ، الفرق بين الفرق ص ( 211 ) ، والملل والنحل ( 1 / 76 ) .

(3) - المعتزلة: سموا بذلك لاعتزال واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد - من رؤسائهم - مجلس الحسن البصري لقولهما بأن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر ، وقيل سموا معتزلة لاعتزالهم منهج أهل السنة والجماعة ، ومن عقائدهم إنكار جميع صفات الله ، والقول بأن القرآن محدث ، وأن الله لا يرى في الآخرة ، وتصل فرقهم إلى حوالي عشرين فرقة ، انظر: مقالات الإسلاميين ( 1 / 235 ) ، الفرق بين الفرق ص ( 11 ) ، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص ( 49 ) .

(4) - شرح صحيح مسلم للنووي ( 18 / 58 - 59 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت