وَكَمْ مِنْ جِبَالٍ قَدْ عَلَتْ شُرُفَاتِهَا ... رِجَالٌ ، فَزَالُوا وَالْجِبَالُ جِبَالُ
لَقَدْ تَأَمَّلْتُ الطُّرُقَ الْكَلَامِيَّةَ ، وَالْمَنَاهِجَ الْفَلْسَفِيَّةَ ، فَمَا رَأَيْتُهَا تَشْفِي عَلِيلًا ، وَلَا تُرْوِي غَلِيلًا ، وَرَأَيْتُ أَقْرَبَ الطُّرُقِ طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ ، اقْرَأْ فِي الْإِثْبَاتِ: { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [1] ، { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } [2] ، وَاقْرَأْ فِي النَّفْيِ: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [3] ، { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [4] ، ثُمَّ قَالَ:"وَمَنْ جَرَّبَ مِثْلَ تَجْرِبَتِي عَرَفَ مِثْلَ مَعْرِفَتِي" [5] .
4-فطريةُ العقيدة الإسلامية:
إنَّ العقيدةَ الإسلامية ليست غريبةً عن الفطرةِ السليمة ولا مناقضةً لها، بل هي على وفاقٍ تامٍّ وانسجامٍ كاملٍ معها. وليس هذا بالأمر الغريبِ, إذ إنَّ خالقَ الإنسانِ العليم بحالهِ هو الذي شرعَ له منَ الديِّنِ ما يناسبُ فطرتَهُ التي خلقهُ عليها، كما قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (30) سورة الروم ، وقوله تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (14) سورة الملك ، والواقعُ شاهدٌ على موافقةِ الفطرة للعقيدةِ الإسلامية القائمةِ على الإخلاصِ لله وحدَهُ، فما أنْ يصابَ الإنسانُ بضرٍّ تعجزُ أمامَه القوى الماديةُ إلا ويلجأُ إلى اللهِ تعالى في تذللٍ وخضوعٍ، ويستوي في ذلك الكافرُ والمؤمنُ، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} (22) سورة يونس ، بل حتى الطفلُ الصغيرُ, فإنه لو تُركَ على حالهِ دون أنْ يؤثرَ عليه والداهُ أو البيئةُ من حولِه لنشأَ معتقدًا بالله تعالى ربًّا وإلهًا لا يعبدُ سواهُ. فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ، كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ ، هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ » (أخرجه الشيخان) [6] .
5-عقيدةٌ توقيفيةٌ مبرهَنةٌ:
تتميزُ العقيدةُ الإسلامية بأنها توقيفيةٌ, فلا تجاوزَ فيها للنصوص المثبتةِ لها, كما إنها عقيدةٌ مبرهنةٌ تقوم على الحجةِ والدليل، ولا تكتفي في تقرير قضاياها بالخبرِ المؤكِّد والإلزام الصارمِ، بل تحترمُ العقولَ
(1) - سورة طَهَ آية 5 .
(2) - سورة فَاطِرٍ آية 10 .
(3) - سورة الشُّورَى آية 11.
(4) - سورة طَهَ آية 110 .
(5) - شرح الطحاوية في العقيدة السلفية - (ج 1 / ص 482) ومنهاج السنة النبوية - (ج 5 / ص 190) ودرء التعارض - (ج 1 / ص 89) وسير أعلام النبلاء - (ج 21 / ص 501)
(6) - البخاري برقم ( 1385) ومسلم برقم (6926 ) = جدعاء: مقطوعة الأطراف =الجمعاء: مكتملة الأعضاء