إنها أمانة الجوارح والحواس والعقل والقلب. أمانةٌ يسأَل عنها صاحبها ، وتسأل عنها الجوارح والحواس والعقل والقلب جميعا. أمانةٌ يرتعشُ الوجدان لدقتها وجسامتها كلما نطق اللسان بكلمة ، وكلما روى الإنسان رواية ، وكلما أصدر حكما على شخص أو أمر أو حادثة. [1]
وقال تعالى:: { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا 110} [طه ] ،وقال تعالى: { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء [البقرة:255] ، وقد نفى الإحاطة بالعلم هنا عن البشر لأنه ليس في مقدورهم بلوغ ذلك ، فهو ليس واقعا في مجال معرفتهم المتعلقة بالأمور المادية كما قال تعالى: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ 7} [الروم ] .
والفرق ظاهر بين علم الخالق وعلم المخلوق، إذ لو تساوى علمُ المخلوق بعلم الخالق لتساوى الخالقُ والمخلوقُ، وهذا لا يعقل، بلِ الفارقُ بين العلمين كالفرق بين الذاتين ، فإذا كان الأمرُ متعلقا بعالم الغيب والاعتقاد فيه - وقد قررنا أن مسألة الإيمان بالخالق الواحد وعبادته أمرٌ فطريٌّ -فإذًا لا بدَّ من تحديد السبل إلى معرفة الأمور الغيبية التي لا تدركها حواسنا ولا تحيط بها عقولنا من أمور الاعتقاد بالدين .
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 2227) والتفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (8 / 487)