دائرة الدين القيم ، وتجعله منازعا للّه في أولى خصائص ألوهيته - سبحانه - فليس من الضروري أن يقول: ما علمت لكم من إله غيري أو يقول:
أنا ربكم الأعلى ، كما قالها فرعون جهرة. ولكنه يدعي هذا الحق وينازع اللّه فيه بمجرد أن ينحي شريعة اللّه عن الحاكمية ويستمد القوانين من مصدر آخر. وبمجرد أن يقرر أن الجهة التي تملك الحاكمية ، أي التي تكون هي مصدر السلطات ، جهة أخرى غير اللّه سبحانه .. ولو كان هو مجموع الأمة أو مجموع البشرية.
والأمة في النظام الإسلامي هي التي تختار الحاكم فتعطيه شرعية مزاولة الحكم بشريعة اللّه ولكنها ليست هي مصدر الحاكمية التي تعطي القانون شرعيته. إنما مصدر الحاكمية هو اللّه. وكثيرون حتى من الباحثين المسلمين يخلطون بين مزاولة السلطة وبين مصدر السلطة. فالناس بجملتهم لا يملكون حق الحاكمية إنما يملكه اللّه وحده.
والناس إنما يزاولون تطبيق ما شرعه اللّه بسلطانه ، أما ما لم يشرعه اللّه فلا سلطان له ولا شرعية ، وما أنزل اللّه به من سلطان ..
ويوسف - عليه السلام - يعلل القول بأن الحكم للّه وحده. فيقول: «أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ» .
إن الطاغوت لا يقوم في الأرض إلا مدعيا أخص خصائص الألوهية ، وهو الربوبية. أي حق تعبيد الناس لأمره وشرعه ، ودينونتهم لفكره وقانونه. وهو إذ يزاول هذا في عالم الواقع يدعيه - ولو لم يقله بلسانه - فالعمل دليل أقوى من القول.
وإن الطاغوت لا يقوم إلا في غيبة الدين القيم والعقيدة الخالصة عن قلوب الناس. فما يمكن أن يقوم وقد استقر في اعتقاد الناس فعلا أن الحكم للّه وحده ، لأن العبادة لا تكون إلا للّه وحده ، والخضوع للحكم عبادة. بل هي أصلا مدلول العبادة.
ولا نفهم هذا التعليل كما كان يفهمه الرجل العربي إلا حين ندرك معنى «العبادة» التي يخص بها اللّه وحده ..
إن منازعة اللّه الحكم تخرج المنازع من دين اللّه - حكما معلوما من الدين بالضرورة - لأنها تخرجه من عبادة اللّه وحده .. وهذا هو الشرك الذي يخرج أصحابه من دين اللّه قطعا. وكذلك الذين يقرون المنازع على ادعائه ، ويدينون له بالطاعة وقلوبهم غير منكرة لاغتصابه سلطان اللّه وخصائصه .. فكلهم سواء في ميزان اللّه. [1]
وقال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (50) سورة المائدة
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 1990)