{أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} (3) سورة الزمر
والخطاب لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - الذي أنزل إليه الكتاب بالحق. وهو منهجه الذي يدعو إليه الناس كافة .. عبادة اللّه وحده ، وإخلاص الدين له ، وقيام الحياة كلها على أساس هذا التوحيد.
وتوحيد اللّه وإخلاص الدين له ، ليس كلمة تقال باللسان إنما هو منهاج حياة كامل. يبدأ من تصور واعتقاد في الضمير وينتهي إلى نظام يشمل حياة الفرد والجماعة.
والقلب الذي يوحد اللّه ، يدين للّه وحده ، ولا يحني هامته لأحد سواه ، ولا يطلب شيئا من غيره ولا يعتمد على أحد من خلقه. فاللّه وحده هو القوي عنده ، وهو القاهر فوق عباده. والعباد كلهم ضعاف مهازيل ، لا يملكون له نفعا ولا ضرا فلا حاجة به إلى أن يحني هامته لواحد منهم. وهم مثله لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا. واللّه وحده هو المانح المانع ، فلا حاجة به إلى أن يتوجه لأحد غيره وهو الغني والخلق كلهم فقراء.
والقلب الذي يوحد اللّه ، يؤمن بوحدة الناموس الإلهي الذي يصرف الوجود كله ويؤمن إذن بأن النظام الذي اختاره اللّه للبشر هو طرف من ذلك الناموس الواحد ، لا تصلح حياة البشر ولا تستقيم مع الكون الذي يعيشون فيه إلا باتباعه. ومن ثم لا يختار غير ما اختاره اللّه من النظم ، ولا يتبع إلا شريعة اللّه المتسقة مع نظام الوجود كله ونظام الحياة.
والقلب الذي يوحد اللّه يدرك القرابة بينه وبين كل ما أبدعت يد اللّه في هذا الكون من أشياء وأحياء ويحيا في كون صديق يعاطفه ويتجاوب معه ويحس يد اللّه في كل ما حوله ، فيعيش في أنس باللّه وبدائعه التي تلمسها يداه وتقع عليها عيناه. ويشعر كذلك بالتحرج من إيذاء أحد ، أو إتلاف شيء أو التصرف في أحد أو في شيء إلا بما أمره اللّه. خالق كل شي ء ، ومحيي كل حي. ربه ورب كل شيء وكل حي ..
وكذلك تبدو آثار التوحيد في التصورات والمشاعر ، كما تبدو في السلوك والتصرفات. وترسم للحياة كلها منهاجا كاملا واضحا متميزا. ولا يعود التوحيد كلمة تقال باللسان. ومن ثم تلك العناية بتقرير عقيدة التوحيد وتوضيحها وتكرار الحديث عنها في الكتاب الذي أنزله اللّه: وهو حديث يحتاج إلى تدبره كل أحد ، في كل عصر ، وفي كل بيئة. فالتوحيد بمعناه ذلك معنى ضخم شامل يحتاج إلى فهم وإدراك.
«أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ» ..يعلنها هكذا ملوية عالية في ذلك التعبير المجلجل. بأداة الافتتاح «أَلا» وفي أسلوب القصر «لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ» . فيؤكد معناها بالبناء اللفظي للعبارة .. فهي القاعدة التي تقوم