و قول موسى عليه الصّلاة والسّلام على عيسى عليه الصّلاة والسّلام كلمته وروحه: فما يجب أن يُعلم أنّ المضافات لله تعالى قسمان: إذا كان المضاف إلى الله من الأعيان القائمة بذاتها فهي إضافة تشريف كناقة الله، وبيت الله، وكروح الله، أو من روحه، فهذا من إضافة تشريف، فقوله من روحه فهذه الروح مخلوقة وإضافتها إلى الله تعالى لشرفها.
أمّا إذا كان المضاف من المعاني والأوصاف الّتي لا تقوم إلاّ بغيرها، فهي إذا أضيفت إلى الله فهي من صفاته عزّ وجلّ كقوله بيده، فاليد هنا صفة من صفات الله تعالى على الحقيقة بلا تكييف ولا تمثيل.
-و قوله عن عيسى: وكلمته أي أنّ الله تعالى خلق عيسى عليه الصّلاة والسّلام بكلمة وهي"كن"فكان عيسى عليه الصّلاة والسّلام، فكان عيسى عليه الصّلاة والسّلام بكن، وليس عيسى هو"كن"
-فيحدّ لي حدّا: أي يبيّن لي في كلّ طور من أطوار الشفاعة حدّا أقف عنده فلا أتعدّاه.
الشاهد من الحديث:
-ففي قوله: يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وكان في قلبه من الخير وفي رواية: من إيمان، ما يزن شعيرة، ثمّ يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وكان في قلبه من الخير أو من إيمان ما يزن برّة، ثمّ يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وكان في قلبه ما يزن من الخير أو من إيمان ذرّة.
بيان أنّ الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بتركها.
و قد خالف في هذه المسألة طوائف وهي المرجئة والخوارج والمعتزلة كلّهم يقولون أنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص بل هو شيء واحد، أمّا عن الخوارج لمّا تقرّر عندهم أنّ الإيمان لا يتبعض أي لا يزيد ولا ينقص، وكانوا من القائلين بأنّ الأعمال من مسمّى الإيمان نتج عندهم أنّ من ترك عملا كان كافرا مهما كان هذا العمل فكفّروا بالكبيرة وبعض طوائفهم كفّر حتّى بالصغيرة، وضلالهم كان بسبب القول بعدم تبعض الإيمان لا بسبب القول بأنّ الأعمال من مسمّى الإيمان كما ظنّه الأشاعرة، وبعض منتسبي للسلفية بالزيفية طائفة مرجئة الجدد في هذا الزمان.
و أمّا المعتزلة فقد وافقوا الخوارج في كلّ شيء في هذه المسألة إلاّ في إطلاق لفظة الكفر في الدنيا لمن ارتكب الكبيرة ويقولون هو في منزلة بين المنزلتين لا يقولون أنّه مؤمن ولا أنّه كافر أمّا في الآخرة فهو كافر عندهم فخلاف بين الخوارج والمعتزلة خلاف شكلي.
أمّا المرجئة فأرادت أن تردّ على الخوارج والمعتزلة، فسلّمت لهم أنّ الإيمان لا يتبعض وجعلوا أنّ هذا من المسلّمات، فلم يبق لهم إلاّ مسألة الأعمال وعلاقتها مع الإيمان فاضطرّوا أن يخرجوا الأعمال من مسمّى الإيمان، وسمّوا بالمرجئة لأنّهم أرجئوا الأعمال أي أخرجوها عن مسمّى الإيمان.
أمّا أهل السنّة فيقولون أنّ الأعمال من مسمّى الإيمان، والإيمان يتبعض أي يزيد وينقص هذا هو الحق الّذي لا مرية فيه والأدلّة الّتي أورد بعضها الإمام البخاري توضّح المسألة لمن ألقى السمع وهو شهيد.
و في مثل ذلك كلّه قال [1] شيخ الإسلام: وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم أنّهم جعلوا الإيمان شيئا واحدا إذا زال بعضه زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه، فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبّة من إيمان"رواه البخاري ومسلم.
ثم قال الخوارج والمعتزلة: الطاعات كلّها من الإيمان، فإذا ذهب بعضها ذهب بعض الإيمان فذهب سائره، فحكموا بأنّ صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان.
(1) - الإيمان الأوسط {46 - 47}