ننسخ آية أو ننسها ... الآية. وقد تقرر في محله أنَّ صدق القضية الشرطية غيرمتوقف على صدق الطرفين [1] ، كما في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [2] .
وأما المنكرون له فهم ثلاث فرق [3] : اليهود، والمنافقون، ومشركو العرب.
أما الأخيران فإنما أنكرا من حيث إنهم أعداء الدين، فهم مجبولون [4] على القدح والطعن فيه، فلا شبهة لهم فضلًا عن مستند [5] .
فمنهم من قال حين نسخ القبلة: ما بال // 5 / أ // المسلمين كانوا على قبلة ثم تركوها. وقال بعضهم: إشتاق هذا الرجل إلى بلد أبيه ومولده، فلذلك (توجه) [6] إليه. وقال بعضهم: تحيّر في دينه فما ثبت عليه. وقال بعضهم: رجع إلى قبلة قومه، وسيرجع إلى دينهم.
(1) يقصد بهما المقدم والتالي، وهذا إشارة إلى ما تقرر في علم المنطق من أن المحكوم عليه في القضية
... الشرطية هو الملازمة بين الشرط والجزاء إيجابًا أو سلبًا من غير النظر إلى الشرط أو نفيه، فتصدق
... الشرطية مع صدق الشرط وكذبه، أي: لا علاقة لها بالواقع. فيصح أن يقال كلما لو تقرر شيء
... وصُدق عليه المعدوم المطلق يصدق عليه مفهوم المحال. وإن لم يتقرر شيء يصدق عليه المعدوم
... المطلق أصلًا. وعلى هذا المنوال قال القرافي بشيء من الوضوح في قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ ... }
حيث قال:"... إن هذه صيغة شرط، وليس من شرط الشرط أن يكون ممكنًا، فقد يكون متعذرًا،"
... كقولك:"إن كان الواحد نصف العشرة، فالعشرة إثنان"وهذا شرط محال، والكلام صحيح
... عربي ...". شرح تنقيح الفصول: 135، وينظر: درر الفوائد: 2/ 342."
(2) (81 / الزخرف 43) . يقول السدي في تفسير هذه الآية:"... لو كان للرحمن ولد فأنا أول من أعبده بذلك ولكن لا ولد له". معالم التنزيل: 4/ 170، وينظر: التفسير الكبير: 3/ 238، والمحصول: ق 3/ 1 / 441،
والإبهاج: 2/ 228، ومناهج العقول: 2/ 201 ـ 202، وحاشية شيخ زادة: 1/ 384، والتبيان
لرفع غموض النسخ في القرآن: 32.
ويمكن أن يناقش هذا بما قاله الشهاب الخفاجي:"... ولولا أنه جائز لم يكن لذكره وجه،"
وأدوات الشرط من (إن) وما تضمن معناها في أصل وضعها تدل على إحتمال ما دخلت عليه وجوازه
... إذ الأصل إختصاص (إن) وما يتضمنها بالأمور المحتملة ..."."
عناية القاضي وكفاية الراضي: 2/ 220، وينظر: حاشية القنوي: 2/ 211.
أو أن السياق وسبب النزول كان على وقوعه، لأنها نزلت جوابًا لمن أنكر ذلك كما قاله إبن حجر في فتح الباري: 8/ 212.
والراجح ما عليه إبن الخياط لأن قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فأنا أول العابدين ... }
... قاطع في نفي إحتمال الوقوع والجواز معًا.
(3) ولم يذكر من بين المنكرين ـ وكما سبق التطرق إليه ـ أبو مسلم الأصفهاني، لإعتباره خلافه مع
... الجمهور خلافًا لفظيًا. وإن كان الصحيح في خلافه أنه معنوي، وهو ينكر وقوع النسخ في القرآن.
... وممن لم يذكروا أبا مسلم الأصفهاني من بين المنكرين للنسخ إبن برهان، والنسفي.
ينظر: الوصول إلى الأصول: 2/ 13، والمنار في أصول الفقه: 710.
(4) جبله على الشيء: طبعه، وجعل الإنسان على هذا الأمر، أي: طبع عليه. وجبلة الشيء: طبيعته وأصله وما بني عليه. والجِبْلَةُ أو الجِبِلة: الخِلقَةُ. ينظر: مختار الصحاح: 92، ولسان العرب: 11/ 98 ـ 99 مادة (جبل) .
(5) (الشبهة) في اللغة: الإلتباس، والمشتبهات من الأمور: المشكلات.
يقال: شبه عليه الأمر، أي: إلتبس عليه، وإشتبه في الأمر: شك في صحته. والشُبه أو الشبهات
... جمع: (شبهة) ويقصد بها: ما يلتبس فيه الحق بالباطل، والحلال بالحرام.
ينظر: مختار الصحاح: 328، ولسان العرب المحيط: 2/ 266 مادة (شبه) ، والمنجد في اللغة: 373.
(6) في (ب) : (توجههه) وهو سهو من الناسخ.