وقال بعضهم ـ لكل من يريد الدخول في الإسلام ـ: إن محمدًا يأمركم بشيء ثم ينهاكم عنه [1] ، حيث أمر في حدّ الزّنى أولًا بالإيذاء باللسان، حيث قال: {فَآذُوهُمَا} [2] ، ثم جعله منسوخًا بقوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ} [3] ، ثم نسخه بالجلد فقال: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [4] . فما كان هذا القرآن إلاّ حديثًا يفترى من جهته، ولذا ناقض بعضه بعضًا. كما أخبر عنهم بقوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [5] .
وأمّا اليهود: فهم أشد الكفار // 5 / ب // في هذا الباب وأحرصهم على نفي النسخ [6] . فبعضهم أنكره عقلًا ـ لما سيأتي من شبهتهم وردّها ـ وسمعًا [7] ، لما ينقلونه من موسى (- عليه السلام -) أنه قال: (( تمسكوا بالسبت(أبدًا) [8] ) و: (( هذه شريعة مؤبدة ما دامت السموات والأرض ) ) [9] .
والجواب: عدم تسليم ذلك [10] ، بل أشار في مواضع من التوراة إلى نبوة نبينا (- صلى الله عليه وسلم -) كما هو مبين في محله [11] ، ولو سلم هذا النقل، فالمراد من التأبيد: طول بقاء شريعته [12]
(1) ينظر: معالم التنزيل: 1/ 174 ـ وما بعدها، والتفسير الكبير: 4/ 154، والجامع لأحكام
... القرآن: 2/ 148 ـ وما بعدها.
(2) جزء من آية (16 / النساء 4) .
(3) جزء من آية (15 / النساء 4) .
(4) جزء من آية (2 / النور 24) .
(5) (101 / النحل 16) .
(6) كما هو دأبهم في الإسلام وجميع مواضيعه ومسائله، حيث قال عنهم سبحانه وتعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ
... النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا (82 / المائدة 5) .
ثم إن إعترافهم بالنسخ يعني إعترافهم بالإسلام، فلزموا أنفسهم التمسك بالشبه.
واعترض الشوكاني إدخال خلافهم ضمن كتب أهل الإسلام، لأنهم خالفوا المسلمين في مسائل عدة،
... ولكن إبن السبكي علل ذكره لخلافهم ـ مع كره له ـ بالتنبيه على أنهم لم يخالفوا جميعًا في ذلك.
ينظر، الإبهاج: 2/ 228، وإرشاد الفحول: 2/ 52.
(7) وهم الشمعونية، نسبة إلى شمعون بن يعقوب، ونصارى هذا العصر.
ينظر، ميزان الأصول: 2/ 983، ونهاية السول: 2/ 202، والملل والنحل: 1/ 211 ـ 212، ...
... ومنهج الوصول: و: (133 / أ) ، ومناهل العرفان: 2/ 203، والنسخ بين الإثبات والنفي:
1/ 42 ـ 43، وأصول الفقه الإسلامي: د. الزحيلي، 2/ 946، والنسخ عند الأصوليين: 40.
(8) سقط ما بين القوسين في: (ب) .
(9) ورد في (الخروج / 31/ 16 ـ 17) ، بلفظ: (( فيحفظ بنو إسرائيل السبت ليصنعوا السبت في
... أجيالهم عهدًا أبديًا، هو بيني وبين بني إسرائيل علامة إلى الأبد )) .
وكذلك ورد الأمر بحفظ السبت في مواضع عدة من التوراة وبدون لفظ (الأبد) ، منها:(الخروج /
... 16/ 25 ـ 26، والخروج / 20/ 8 ـ 12، والخروج / 23/ 15، والخروج / 35/ 1 ـ 3،
... واللاويين / 23/ 1 ـ 3، والتثنية / 5/ 12 ـ 15) .
(10) لوقوع التحريف فيها، وكما أخبرنا بذلك القرآن الكريم، حيث قال عز وجل: مِنْ الَّذِينَ
... هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ
... وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمْ
... اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلًا (46 / النساء 4)
ثم إن اليهود في عهده (- صلى الله عليه وسلم -) لم يذكروا ذلك في محاجة النبي (صلى الله عليه وسلم) ومجادلته، ولو صح لجعلوه من
... أقوى أدلتهم، وقيل: إن الواضع لهذا الدليل ومبتدعه إبن الراوندي الذي ألف في الطعن عليه
... (- صلى الله عليه وسلم -) . ينظر: الوصول إلى الأصول: 2/ 17، وشرح اللمع: 2/ 190 ـ 191، وكشف
... الأسرار: 3/ 162 ـ 163، والنسخ عند الأصوليين: 53 ـ وما بعدها.
(11) وقد ورد التصريح بمبعثه في مواضع عدة من التوراة والإنجيل المحرفين، منها:(التثنية/18/ 18 ـ
... 19 ـ 20، والتثنية / 33/ 2، وإنجيل يوحنا / 1/ 19 ـ 22، ويوحنا / 14/ 15 ـ 17 ـ 26،
... ويوحنا / 16/ 7 ـ 12 ـ 13) .
ينظر لمزيد التفصيل: إظهار الحق: 2/ 151 ـ وما بعدها، ومحمد (- صلى الله عليه وسلم -) في التوراة والإنجيل
... والقرآن: 19 ـ وما بعدها، وأصول الدين الإسلامي: 330 ـ وما بعدها، والعقائد الإسلامية:
... 2/ 69 ـ وما بعدها.
(12) وقد ورد في عدة مواضع من التوراة لفظ (الأبد) وأريد به غير معناه الظاهر، كما في:(التثنية /
... الإصحاحات: 16، و 21، و 25، و الخروج / 21/ 6).
وينظر، اُلمحصول: ق 3/ 1 / 457 ـ وما بعدها، وميزان الأصول: 2/ 987، وشرح تنقيح
... الفصول: 133، والنسخ بين الإثبات والنفي: 1/ 109 ـ 110، والنسخ عند الأصوليين: 53 ـ وما بعدها.