وبما روي عن أبي أمامة إبن سهل [1] : أن قومًا من الصحابة قاموا ليلة ليقرأوا سورة، فلم يذكروا منها إلاّ: {بسم الله الرحمن الرحيم} . فغدوا إلى النبي (- صلى الله عليه وسلم -) فأخبروه، فقال (- عليه السلام -) : (( تلك سورة رفعت بتلاوتها وحكمها ) ) [2] .
هذا والحق عندي: أن هذين المثالين إنما هما للإنساء الذي هو قسيم النسخ، لا للنسخ [3] ، لأن المراد من منسوخ التلاوة: الذي يعرف ألفاظه، إلاّ أنه رفع عنّا التعبد بتلاوته. وهذا ليس كذلك. ومن منسوخ الحكم: ما كان الحكم فيه معلومًا إلاّ أنه رفع عنّا التعبد به [4] ، وهذا ليس كذلك، لأنا لا نعرف حكمها حتى نقول بأنه باقٍ أو منسوخ.
والمثال الصحيح: ما ذكروا من رواية مسلم عن عائشة (رضي الله عنها) : (( كان فيما أنزل الله عشر رضعات معلومات، فنسخت بخمس معلومات ) ) [5] [6] .
(1) وفي (ب) : (سهيل) . والصحيح هو (سهل) لأنه هو: أبو أمامة بن سهل بن حنيف. كما ورد
... إسمه في طبقات إبن سعد والإصابة.
ينظر: الطبقات الكبرى:1/ 500، و 2/ 383، و 8/ 167، والإصابة: 3/ 419، و 518 و 4/ 334.
(2) ذكره البغوي في معالم التنزيل: 1/ 153 ـ وضعفّه محقق (معالم التنزيل) وبيّن الضّعف، وبنحوه
القرطبي في التفسير: 2/ 44، والبيضاوي في الأنوار: 1/ 382 ـ وما عزاه إلى أبي أمامة، وذكره
الخازن في لباب التأويل: 1/ 72، والبروسوي في روح البيان: 1/ 201.
(3) نقل الزركشي والسيوطي عن إبن ظفر الصقلي أن الفرق بينهما هو:"أن المنسأ لفظه قد يعلم حكمه"
... ويثبت أيضًا"."
وقال ابن ملك في المنسوخ تلاوة وحكمًا:"وهو ما نسخ من القرآن في حياة الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) "
... بالإنساء ...". وقال الخازن:"والإنساء نسخ من غير إقامة غيره مقامه". ولكن التفتازاني أنكر"
... كون الإنساء نسخًا.
وقال شيخ زادة:"قد يكون رفع الحكم والتلاوة بأن ترفع الآية أصلًا من المصحف ومن القلوب"
... جميعًا"."
ينظر: البرهان: 2/ 43، والإتقان: 1/ 666، وشرح المنار: 721، ولباب التأويل: 1/ 72،
... وحاشية شيخ زادة: 1/ 382، وحاشية عزمي زادة على شرح المنار: 722.
ويمكن أن يقال أن هذه الروايات ما سلمت من طعن العلماء فيها أو بيانها على وجهها المراد،
... فمثلًا يرى إبن الصلاح أن المدعى زيادته على الأحزاب أنها التفسير لا غيره، وحمله إبن حزم
... والسيوطي على نسخ التلاوة. ينظر: نفي التحريف عن القرآن المجيد: موقع
(4) والمشهور في تعريف منسوخ التلاوة أو الحكم: بيان إنتهاء التكليف أو التعبد بقراءتها، أو الحكم
... المستفاد منها أو رفع التكليف بقراءتها أو حكمها، وعلى إختلاف في الألفاظ.
وما ذكره إبن الخياط مغاير لما في المصادر، ولعل الخلاف لفظي، وبهذا القيد وقيد الإنساءأخرج كثيرمن دعاوى النسخ.
(5) أخرج نحوه مسلم في صحيحه: 10/ 28 برقم (1452) ، وأبو داود في السنن: 2/ 223 برقم
... (2062) ، وإبن ماجه في السنن: 1/ 625 برقم (1942) ، و النسائي في المجتبى: 3 /
... 298 برقم (5448) ، والبيهقي في السنن الكبرى: 7/ 453 برقم (15397) و (15398)
... و (15399) ، ولفظ مسلم:"كان فيما أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن"
... بخمس معلومات، فتوفى رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وهُن فيما يقرأ من القرآن"أو بلفظ:"... ثم نزل خمس معلومات"."
وعدّ البعض ممن ذهبوا إلى أن الرضاع المحرم عشر رضعات ـ وهم الشواذ ـ إلى أن هذا من قبيل
... منسوخ التلاوة وباقي الحكم.
ويقول البيهقي:"فالعشر مما نسخ رسمه وحكمه، والخمس مما نسخ رسمه وبقي حكمه، بدليل أن"
... الصحابة حين جمعوا القرآن لم يثبتوها رسمًا، وحكمها باقٍ عندهم"."
ينظر، مناهج العقول: 2/ 213، وإرشاد الفحول: 2/ 65.
وقولها:"وهن فيما يقرأ من القرآن"يحتمل العودة على العشر المنسوخة، أي: كان يقرأها من لم
... يعلم نسخها.
تنظر التفصيلات في: مسائل من الفقه المقارن: 2/ 143 ـ وما بعدها.
(6) وقد مثل بعض العلماء لهذا النوع أيضًا بنسخ صحف إبراهيم (- عليه السلام -) ، فإنها كانت نازلة تقرأ ويعمل
... بها، ثم نسخت تلاوة وحكمًا. إمّا بالإنساء أو بموت العلماء.
ويرد على ذلك بأن المنسوخ تلاوة ما كانت ألفاظه معلومة معروفة، أمّا صحف إبراهيم فغير معروفة
... وليست معلومة. ينظر: كشف الأسرار: 3/ 188.