فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 255

ذكر بعض المفسرين أنه كان في بدء الإسلام يجوز للمصلي أن يتوجه إلى أي جهة شاء، إستدلالًا بهذه الآية [1] ، بناءً على أنّ"أَين"مفعول به لقوله:"تولوا". فنسخت بقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [2] // 12 / أ //.

والحق ـ كما قال بعض المفسرين ـ: أنه لا نسخ فيها، لأن"أينما"ظرف لـ"تولوا"لا (مفعول) [3] به [4] ، وأنه منزل منزلة اللازم، وليس تعلقه بمفعوليه مرادًا، بل هما محذوفان نسيًا منسيًا [5] . والمعنى: ففي أي مكان فعلتم التولية شطر القبلة المأمور بها، فهناك قبلة الله التي أمر بها ورضي بها، فلا يلزم إتحاد الشرط والجزاء [6] .

والمعنى: أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس، فقد جعلت لكم الأرض مسجدًا [7] ، فصلوا في أي بقعة من بقاعها شئتم، بشرط أن تتوجهوا إلى القبلة التي أمرتم بها [8] .

ويؤيده أن هذه الآية بعد قوله تعالى: {وَمنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [9] .

وقيل: إنه وارد في حق من إشتبه عليه القبلة، فتوجه بإجتهاده إلى طرف القبلة، ثم تبين خطؤه [10] ، وهذا مروي عن إبن عباس (- رضي الله عنه -) [11] . وعن إبن عمر (- رضي الله عنه -) : إنها نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت [12] .

(1) وهو المروي وبه قال إبن عباس والحسن وقتادة ـ في قول ـ وإبن زيد. ... ينظر: جامع البيان: 1/ 400، والإيضاح: 112، وأحكام القرآن: إبن العربي، 1/ 34، والتفسيرالكبير: 4/ 21، وغرائب القرآن: 1/ 378، وحاشية شيخ زادة:1/ 395 ـ 455 ـ حيث نقله عن الفناري في تفسير سورة الفاتحة.

(2) (144 ـ 149 ـ 150 / البقرة 2) . ينظر: الناسخ والمنسوخ: قتادة، 487، والناسخ والمنسوخ: الزهري، 74، وجامع البيان: 1/ 400، والناسخ والمنسوخ: إبن حزم، 22، والناسخ والمنسوخ: إبن سلامة، 78، والناسخ والمنسوخ: الأسفرائني، و: (4) ، والإيضاح: 110، ونواسخ القرآن: 49 ـ 50، وناسخ القرآن العزيز ومنسوخه: 282، والناسخ والمنسوخ: العتائقي، 29، والإتقان: 1/ 658، والدر المنثور: 1/ 267، وحاشية شيخ زادة: 1/ 395، والموجز: 269.

ونقل القرطبي عن إبن عباس أن ناسخها قوله: {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} (150 / البقرة 2) . الجامع لأحكام القرآن: 2/ 83.

(3) وفي (ب) : (مفعولًا) .

(4) ينظر: اعراب القرآن: الكرباسي، 1/ 158، والجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه: 1/ 243، وإعراب القرآن الكريم: 1/ 236، وإعراب القرآن الكريم وبيانه: 1/ 171 ـ 172.

(5) حاشية شيخ زادة: 1/ 395.

(6) ينظر: مدارك التنزيل: 1/ 76، وأنوار التنزيل: 1/ 387، وحاشية شيخ زادة: 1/ 395. وعليه يكون المقصود بقوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} الكعبة، كما أخرجه الطبري عن مجاهد. ينظر: جامع البيان: 1/ 402.

(7) قال (- صلى الله عليه وسلم -) : (( وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ) ). جزء من حديث صحيح رواه البخاري في صحيحه: 1/ 128 برقم (328) عن جابر بن عبد الله، والترمذي في سننه: 2/ 131 برقم (317) عن أبي ذر، وإبن خزيمة في صحيحه: 1/ 132 برقم (263) عن حذيفة نحوه، وإبن حبان في صحيحه: 14/ 308 برقم (6398) عن جابر،

... والحاكم في المستدرك: 2/ 460 برقم (3587) عن أبي ذر.

(8) ينظر: الكشاف: 1/ 307، ومدارك التنزيل: 1/ 76.

(9) (114 / البقرة 2) . ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 2/ 83، وحاشية شيخ زادة: 1/ 395.

(10) وفي الإعادة خلاف بين العلماء. فقد ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى عدم الإعادة، وعليه في وقتها

... عند مالك، في حين ذهب الإمام الشافعي إلى الإعادة. تنظر التفصيلات في: المدونة الكبرى: 1/ 184، والأم: 1/ 94 ـ 95، وأحكام القرآن: إبن العربي، 1/ 34 ـ 35، والمغني: 1/ 480 ـ 481، والجامع لأحكام القرآن: 2/ 55، ورد المحتار: 1/ 291.

(11) فقد أخرج إبن مردويه بسند ضعيف عن إبن عباس (- رضي الله عنه -) : أن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) بعث سرية فأصابتهم

... ضبابة فلم يهتدوا إلى القبلة فصلوا لغير القبلة، ثم إستبان لهم بعد ما طلعت الشمس أنهم صلوا لغير

... القبلة، فلمّا جاؤوا إلى رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) حدّثوه، فأنزل الله وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ

... وَجْهُ اللَّهِ.وأخرج نحوه الترمذي في سننه: 2/ 176 عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه برقم (345) ،

... وإبن ماجه في سننه: 1/ 326 برقم (1020) . وطرق الحديث ضعيفة، لكنها إذا جمعت صار حسنًا.

ينظر: معالم التنزيل: 1/ 157 ـ مع هامش المحقق، ونواسخ القرآن: 47، والطود الراسخ:

1/ 4507، وتفسير القرآن العظيم: 1/ 247 ـ 248، والدر المنثور: 1/ 267.

ونقل الطبري والمكي نحو هذا عن النخعي، ورواية عن عامر بن ربيعة عن أبيه، وعن جابر بنحو

... قصة السرية. ينظر: جامع البيان: 1/ 401، والإيضاح: 113، وأحكام القرآن: إبن العربي، 1/ 34،

... وغرائب القرآن: 1/ 379، والإكليل في إستنباط التنزيل: 18.

(12) أخرج مسلم في صحيحه: 1/ 486 برقم (700) عن عبد الله بن عمر (- رضي الله عنه -) قال:"كان رسول الله"

... (- صلى الله عليه وسلم -) يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه. قال: وفيه نزلت: فَأَيْنَمَا

... تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (115 / البقرة 2) ". وأخرج نحوه البخاري في صحيحه: 1/ 339 برقم (955) ."

وحمل الآية على هذا المحمل هو المعتمد الراجح عند الطبري والنحاس وإبن العربي وغيرهم. ينظر: جامع البيان: 1/ 400 ـ 401، والناسخ والنسوخ: النحاس، 17، والإيضاح: 113، ومعالم التنزيل: 1/ 158، والناسخ والمنسوخ: إبن العربي، 33 ـ وما بعدها، وغرائب القرآن: 1/ 378.

وذهب الرازي إلى عدم إمتناع نزول الآية في الأمرين، المشتبه عليه القبلة، وصلاة المسافر، إِذا وقعافي وقت واحد. ينظر: الإكليل: 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت