العرب دماء، وكان لأحدهما طول على الآخر، فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد، والذكر بالأنثى. فلمّا جاء الإسلام تحاكموا إلى رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فنزلت [1] .
ولا تدل (لا) [2] على قتل الحرّ بالعبد ولا العكس [3] ، وإنما منع مالك والشافعي (رضي الله عنهما) من قتل الحرّ بالعبد ـ سواء عبده أو عبد غيره ـ [4] لما روي عن علي (- رضي الله عنه -) أن رجلًا قتل عبده فجلده النبي (- صلى الله عليه وسلم -) ونفاه سنة ولم يقتله به [5] .
ولما روي عنه أيضًا أنه قال: من السنة أن لا يقتل مسلم بذي عهد، ولا حر بالعبد [6] .
ـ وفي هذه السورة أيضًا قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [7] .
ذهب كثيرون إلى أن هذه الآية منسوخة بآيات المواريث [8] ، وبقوله (- عليه السلام -) : (( إن الله // 14 / أ // أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث ) ) [9] [10] .
(1) أخرج الهروي نحوه عن الشعبي، وكذا الطبري عن الشعبي وقتادة، والبغوي عن سعيد بن جبير
... والشعبي والكلبي وقتادة ومقاتل.
ينظر: الناسخ والمنسوخ: الهروي،138، وجامع البيان: 2/ 60 ـ 61، والسنن الكبرى: البيهقي، 8/ 26 برقم (15669) عن مقاتل، وأسباب النزول: الواحدي، 30 ـ عن الشعبي مختصرًا، ومعالم التنزيل: 1/ 207، ونواسخ القرآن: 57،والجامع لإحكام القرآن: 2/ 164، وأنوار التنزيل: 1/ 455 ـ 456 والصحيح من أسباب النزول: 40.
(2) سقط ما بين القوسين في: (ب) .
(3) وبهذا مال إلى التفسير الأول للآية، وهو منع التعدي في القصاص، فلا يقتل إلاّ الجاني مثلًا بمثل.
ينظر: أنوار التنزيل: 1/ 456 ـ 457، وحاشية شيخ زادة: 1/ 486، وصفوة التفاسير: 1/ 118.
(4) ينظر: الأم: 6/ 24 ـ 25، وأحكام القرآن: ابن العربي، 1/ 62 ـ 63، والمجموع شرح المهذب: 20/ 24 ـ 25، وشرح الخرشي: 8/ 3، وأنوار التنزيل: 1/ 456، وأوجزالمسالك: 13/ 134.
(5) أخرجه أبو يعلى في مسنده: 1/ 404 برقم (531) ، وأخرج الدار قطني في سننه: 3/ 143 برقم
... (187) ، والبيهقي في السنن: 8/ 36 برقم (15729) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
... (- رضي الله عنهم -) : أن رجلًا قتل عبده متعمدًا فجلده النبي (صلى الله عليه وسلم) مائة جلدة ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين ولم يقده به وأمره أن يعتق رقبة. وذكره البيضاوي في الأنوار: 1/ 456 ـ 457.
(6) أخرج أبو داود: 4/ 176 برقم (4517) عن الحسن مرسلًا:"لا يقتل حر بعبد"، وأخرجه الدار قطني في سننه: 3/ 134 برقم (163) عن علي، وذكره البيضاوي في الأنوار: 1/ 457، والألوسي في روح المعاني: 2/ 75.
وذهب الجمهور ـ غير الحنفية ـ إلى التكافؤ بين القاتل والمقتول، من حيث الإسلام والحرية
... كشرط للقصاص. وعليه لا يقتل قصاصًا مسلم بكافر ولا حر بعبد.
أمّا قتل الرجل بالمرأة: فنقل القرطبي والنووي الإجماع عليه، وعزاه البغوي إلى عامة أهل العلم.
ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 2/ 248، وشرح النووي على صحيح مسلم: 11/ 132، والمجموع: 20/ 17 ـ 18، وتفسير القرآن العظيم: 1/ 327، والفقه الجنائي: 274، والفقه الإسلامي وأدلته: الزحيلي، 7/ 5669 _ وما بعدها.
وخلاصة القول في الآية ـ وإليه مال المؤلف ـ:
أن الآية غير منسوخة، وعليه فالمفهوم المخالف للآية غير معتبرة، وإعتمادهم في عدم قتل الحر بالعبد على السنة والإجماع في عهد الشيخين وقياسًا على الأطراف المتفق على عدم القصاص فيه، وآية المائدة مفسرة للبقرة.
ينظر: أنوار التنزيل: 1/ 456 ـ وما بعدها، وروح المعاني: 2/ 75.
(7) (180 / البقرة 2) .
(8) وقد اختلف العلماء في تحديدها، فمنهم من جعلها الآية السابعة من سورة النساء، وهي قوله تعالى:
... {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ... } ، ومنهم من جعلها الآية الثامنة، وهي قوله تعالى
...: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى ... } ومنهم من جعلها الآية الحادية عشرة والثانية عشرة منها، وهي: {يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ... } ، ومنهم من عدّها الآيات (7 و 8 و 9 و 10 و 11 و 12) من السورة نفسها.
ينظر: الناسخ والمنسوخ: الهروي، 230 ـ 231، وجامع البيان: 2/ 68 ـ وما بعدها، والناسخ
... والمنسوخ: النحاس، 20 ـ 21، والناسخ والمنسوخ: إبن العربي، 20.
(9) أخرجه إبن ماجه في سننه: 2/ 906 برقم (2714) عن أنس بن مالك، والطبراني في مسند الشاميين: 1/ 360 برقم (621) عن أنس، وإبن الجارود في المنتقى: 2/ 238 برقم (949) عن أبي أمامة، وأبو قاسم تمام الرازي في الفوائد: 1/ 36 برقم (66) عن أنس، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة: 6/ 149 برقم (2144) عن أنس.
وقد رواه إثنا عشر صحابيًا، وأرسله خمسة من التابعين، وجنح الشافعي في الأم إلى تواتر متنه وقال:
..."ولم أر بين الناس في ذلك إختلافًا"، وقال فيه الماتريدي:"إنه من حيث الرواية من الآحاد، ومن حيث علم العمل به متواتر". ينظر الأم: 4/ 108، وتأويلات أهل السنة: 350، والدر المنثور: 2/ 425، ونيل الأوطار: 6/ 40 ـ 41.
(10) ينظر: الناسخ والمنسوخ: الزهري، 75، وأحكام القرآن: الشافعي، 1/ 166 ـ وعزاه إلى بعض أهل العلم، وجامع البيان:2/ 70 ـ وأخرجه عن إبن زيد وإبن عباس وإبن عمر وعكرمة والحسن وشريح عن قتادة ومجاهد عن إبن أبي نجيح والسدي، والناسخ والمنسوخ: إبن حزم،25،والناسخ والمنسوخ: النحاس، 20 ـ 21، وأحكام القرآن: الجصاص، 1/ 164 ـ 165، والناسخ والمنسوخ: ابن سلامة، 82، الناسخ والمنسوخ: الأسفرائني، و: (4) ، والإيضاح: 119،والكشاف: 1/ 334، وأحكام القرآن: إبن العربي، 1/ 71، والمصفى: 200، والجامع لأحكام القرآن:2/ 262 ـ 263، وناسخ القرآن العزيز ومنسوخه: 282، وأنوار التنزيل: 1/ 459 ـ 460، وغيرها.