ويستفاد من ظاهر كلام البيضاوي أنه مع القول بأنها // 19 / أ // للوجوب إختل في إحكامها ونسخها. [1] فتأمّل.
ـ وفي هذه السورة أيضًا قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [2]
(ظاهر) [3] الآية يتناول حديث النفس والخواطر الفاسدة التي ترد على القلب من غير إختيار، كما أنه يتناول ما وطّن [4] به الإنسان نفسه عليه وعزم على فعله، إلاّ أن يمنع منه مانع [5] .
فعلى هذا: إذا قلنا أن معنى {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} يجازيكم به، ـ على ما ذكره كثير من المفسرين ـ [6] كانت الآية في القسم الأول [7] منسوخة بقوله تعالى: {لايُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَهَا} [8] . وأمّا إذا كانت المحاسبة بمعنى: الإخبار والتعريف ـ كما ذكره بعض المفسرين ـ [9] ، فترجع إلى كونه تعالى عالمًا بكل ما في الضمائر والأسرار، فلا نسخ [10] .
(1) يقول البيضاوي:"... والأوامر التي في هذه الآية للإستحباب عند أكثر الأئمة، وقيل: إنها للوجوب."
... ثم أختلف في إحكامها ونسخها". أنوار التنزيل: 1/ 581."
ذهب إلى الوجوب وإحكام الآية معه وعدم نسخها: أبو موسى الأشعري وإبن عباس، وإبن عمر،
... وجابر بن زيد ـ أبو الشعثاء ـ ومجاهد وأبو قلابة والضحاك وإبن سيرين وهو الراجح عند الطبري.
ورجّح الدكتور الزلمي هذا المذهب في المبالغ الطائلة دون القليلة، إذ هو المواكب للتطورات
... الحادثة في الحياة الإقتصادية وقلّة الثقة والأمانة بين الناس.
ينظر: جامع البيان: 3/ 79، والإيضاح: 165، والطود الراسخ: 1/ 536 ـ 537، والنسخ
... في القرآن الكريم: د. مصطفى زيد، 2/ 681 ـ وما بعدها، والتبيان: 165.
(2) (284 / البقرة 2) .
(3) ما بين القوسين في (أ) : (طاهر) ، وهو تصحيف.
(4) وطّن نفسه على الأمر، مَهَّدَها لفعله، وذلّلها، وسكّنها، وأقّرها عليه، وواطنه على الأمر مواطنة: وافقه. ينظر: محيط المحيط: 975.
(5) لباب التأويل ـ بتصرف يسير ـ: 1/ 205، ومدارك التنزيل: 1/ 205.
(6) ينظر: مدارك التنزيل: 1/ 205، وروح المعاني: 3/ 104.
(7) أي: في حديث النفس والخواطر الفاسدة من غير إختيار، كما إعتقد الصحابة أول نزول الآية.
ففي حديث مسلم كما في صحيحه: 1/ 115 برقم (125) عن أبي هريرة (- صلى الله عليه وسلم -) : أنه لما
... نزل قوله: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ ... } (284 / البقرة 2) إشتد ذلك على
... أصحاب رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وقالوا: لا نطيقها، فأمرهم (- صلى الله عليه وسلم -) بقول: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ
... رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285 / البقرة 2) . فلما فعلوا ذلك نسخها الله بقوله: لا يُكَلِّفُ
... اللَّهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَهَا (286 / البقرة 2) . قال المازري:"يحتمل أن يكون إشفاقهم وقولهم: (لا نطيقها) لكونهم ... اعتقدوا أنهم يؤاخذون بما لا قدرة لهم على دفعه من الخواطرالتي لا تكتسب". شرح النووي على صحيح مسلم: 2/ 126.
(8) (286 / البقرة 2) .
وهو المروي عن إبن مسعود وأبي هريرة وعائشة وإبن عباس وإبن جبير ومجاهد والشعبي والحسن وإبن سيرين وقتادة والزهري وإبراهيم وعامر ومحمد بن كعب وموسى بن عبيدة.
ينظر: الناسخ والمنسوخ: قتادة، 491، والناسخ والمنسوخ: الزهري، 77، والناسخ والمنسوخ:
... الهروي، 275، وجامع البيان: 3/ 95، والناسخ والمنسوخ: ابن حزم، 30، والناسخ والمنسوخ
...: النحاس، 81، والناسخ والمنسوخ: ابن سلامة، 96 ـ 97، والناسخ والمنسوخ: الأسفرائني، و:
... (5 و 7) ، والإيضاح: 167، والناسخ والمنسوخ: إبن العربي، 27 ـ وما بعدها، والجامع
... لأحكام القرآن: 3/ 421، وناسخ القرآن العزيز ومنسوخه: 284، والموجز: 270، والناسخ
... والمنسوخ: العتائقي، 38، والإتقان: 2/ 654.
لكن العلماء إعترضوا على هذا، فيقول المازري:"في تسمية هذا نسخًا نظر، لأنه إنما يكون"
... نسخًا إذا تعذر البناء ولم يمكن ردّ إحدى الآيتين إلى الأخرى"ومال إلى القول بالتخصيص. وردّه"
... القاضي عياض بأن النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه فهموا العموم من القسم الأول والثاني. وضعّف القول
... بالنسخ بهذه الآية النحاس والفخرالرازي والسخاوي، وفصّلوا القول فيه.
ينظر: الناسخ والمنسوخ: النحاس، 82 ـ 83، والتفسير الكبير: 7/ 138، والطود الراسخ:
... 1/ 537، وشرح النووي على صحيح مسلم: 2/ 126.
(9) وهوالمروي عن إبن عباس والربيع، وهو الأحسن والأشبه بالظاهرعند النحاس، والأصح عند
... القرطبي. ينظر: جامع البيان: 3/ 97 ـ 98، والناسخ والمنسوخ: النحاس، 81، والجامع
... لأحكام القرآن: 3/ 421 ـ 422، ولباب التأويل: 1/ 206، وتفسير الجلالين: 1/ 236.
(10) وعليه فإن الله يحاسب كل نفس بما أخفت، فيغفر للمؤمن ويعاقب الكافر، إظهارًا لزيادة الرحمة
... والمغفرة وليعرفهم رحمته.
وهذا المعنى هو الأولى عند الطبري، ويعلل ذلك: بأن المحاسبة ليست بموجبها العقوبة، ثم
... لا تعارض بين الآيتين. وكذا حسنه المكي، وهو الأصح عند القرطبي، ومروي عن إبن مسعود وإبن
... عباس ـ في رواية ـ والربيع ومجاهد وغيرهم.
ويؤيد هذا المعنى: ما رواه البخاري في صحيحه:2/ 862 برقم (2309) ، ومسلم في صحيحه: 4/ 2120 برقم (2768) ،وإبن ماجه في سننه:1/ 65 برقم (183) والطبري في تفسيره: 3/ 99 عن عبد الله بن عمر (- رضي الله عنه -) قال: سمعت رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) يقول: (( يدني المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، تعرف ذنب كذا وكذا. فيقول: أعرف ربّ، أعرف ـ مرتين ـ، فيقول الله: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم تطوى صحيفة حسابه. وأما الآخرون ـ وهم الكفار والمنافقون ـ فينادي بهم علىرؤوس الخلائق، هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين ) ).