واختار بعضهم: أنه لا نسخ في الآية الأولى، لأنه علّق حبسهنّ بقوله: {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} وهي مجملة صارت مبينة بحديث //22/ أ // عبادة بن الصّامت [1] ، وهو أنه: كان النبي (عليه الصلاة والسلام) (إذا نزل عليه) [2] حكم كرب لذلك، فأنزل الله الوحي عليه ذات يوم فبقي كذلك، فلمّا سري عنه قال: (( خذوا عني(مناسككم) [3] ، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم )) [4] . فبين أن حدّه الجلد والرجم. [5]
(1) هو قول أبو سليمان الخطابي في معالم السنن، بينما ذهب كل من الجصاص وإبن سلامة والعتائقي وغيرهم إلى أن الحديث ناسخ للآية وليس من قبيل بيان المجمل، وقد ردّه الفخرالرازي. ينظر: أحكام القرآن: الجصاص، 2/ 107، والناسخ والمنسوخ: ابن سلامة، 104، والناسخ والمنسوخ: إبن العربي، 89 ـ قولًا عن العلماء، والتفسيرالكبير: 9/ 241، والطود الراسخ: 2/ 9، وغرائب القرآن: 4/ 217، ولباب التأويل: 1/ 329، والناسخ والمنسوخ: العتائقي، 40 ـ 41، والفتوحات الإلهية: 1/ 365.
(2) سقط ما بين القوسين في: (ب) .
(3) كذا في الأصل، وما بين القوسين ليس جزءًا من هذا الحديث، وأثبته إبن الخياط سهوًا، والصحيح: (( خذوا عَنّي، خذوا عَنّي ... إلى آخر الحديث ) ).
(4) وورد بصيغة: (( ... البكر بالكر جلد مئة وتغريب عام ... ) ). والحديث أخرجه عبد الرزاق في المصنف: 7/ 310 برقم (13308) عن الحسن، والهروي في الناسخ والمنسوخ: 133، ومسلم في صحيحه: 3/ 1316 برقم (1690) عن عبادة بن الصامت، وأبو داود في سننه: 4/ 144 برقم (4415) ، والترمذي في سننه: 4/ 41 برقم (1434) ، والنسائي في السنن الكبرى: 4/ 270 برقم (7142 ـ 7143 ـ 7144) ، والطبري في جامع البيان:4/ 198. وحديث: (( خذوا عني مناسككم ) )حديث آخر في بيان مناسك الحج والعمرة وليس في بيان حدّ الزنى، وقد أخرجه أحمد في المسند: 3/ 337 برقم (14658) عن جابر، والبيهقي في السنن الكبرى: 5/ 125 برقم (9307) .
(5) يقول إبن عباس والضحاك وعبد الله بن كثير وعطاء في قوله: {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} :"فقد جعل الله لهن وهو الجلد والرجم". وذهب الإمام أحمد إلى: أن الثيب الزاني يجمع له الجلد والرجم، بينما ذهب الجمهورإلى الرجم فقط. ينظر: جامع البيان: 4/ 198، وتفسير القرآن العظيم: 1/ 728، والدر المنثور: 4/ 455.
ويمكن تلخيص آراء العلماء في إنكارهم نسخ الآية على خمسة أقوال:
1.أن آية: {وَاللاَّتِي} تخص السحاقات، وآية: {وَاللَّذَانِ} للواطين، وآية النور في حدّ الزناة والزواني. وقد قال به مجاهد وأبو مسلم الأصفهاني والخوئي والجبري والزلمي وغيرهم. ولم يسلم هذا الرأي من المناقشة كما سبق.
2.أن الآية ممتدة إلى غاية، فلما جاءت الغاية بيّن النبي (صلى الله عليه وسلم) السبيل، فبيان الغاية المجهولة لا يعتبر نسخًا ـ كما قاله إبن العربي وإبن الجوزي وغيرهما ـ. قال بهذا الرأي إبن العربي والقرطبي وولي الله الدهلوي.
3.الحكم الأول من حق الأزواج على زوجاتهن بعد إقامة الجلد والإيذاء، والثاني عام خصصته آية النور، فآية النور شملت الإيذاء الجسدي واللساني والجلد، وهذا ما ذكره الشيخ بابا علي من غير أن يعزو ذلك إلى أحد من العلماء. وإحترز من الاعتراض عليه بالرجم في حق المحصن بقوله:"والذي أراه أن الرجم ليس من حكم الله سبحانه وتعالى، وأما قضية الروايات والعمل المتبع خلال قرون فالله سبحانه وتعالى أعلم بها، ولله في خلقه شؤون".
4.إن الآية الأولى فيمن أتين مواضع الفسق والريب ولم يتحقق زناهن، أما الثانية فيمن تحقق زناهن. وقد ناقشه الزرقاني بوجهين: الأول: أنه معارض بقوله تعالى: {يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ} فالمتبادر منه المقارفة. والثاني: بحديث عبادة بن الصّامت.
5.جواز أن يكون الأمر بالحبس غير منسوخ، فلم يذكر الحدّ لكونه معلومًا من الكتاب والسنة، والآية توصي بإمساكهن في البيوت بعد إقامة الحد صيانة لهن عن مثل ما جرى لهن بسبب الخروج من البيوت. فعليه يمكن أن يفسر {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} بالزواج لإشباع غرائزهن الجنسية. كما فسره الزمخشري والفخرالرازي ونقله النيسابوري.
لأن الجلد والتغريب والرجم ليس لهن، بل عليهن، فالذي لهن ما فيه المصلحة، كما قال تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} ، فإن اللاّئق هنا هذا المعنى. وقد ذهب إلى هذا الزمخشري وأبو السعود.
ينظر للتفصيل: الكشاف: 1/ 511 ـ 512، وأحكام القرآن: إبن العربي، 1/ 354، والتفسير الكبير: 9/ 240 ـ وما بعدها، والجامع لأحكام القرآن: 5/ 85، وغرائب القرآن: 4/ 216، والفوز الكبير: 25، وروح المعاني: 4/ 368، والبيان:310 ـ وما بعدها، ومناهل العرفان:2/ 282 ـ 283، وأصول الفقه الإسلامي: الخضري، 316، والنسخ للجبري:154 ـ 155،والنسخ في القرآن الكريم: د. محمد صالح،46، والتبيان:189 ـ وما بعدها، ومباحث قرآنية: و (80 / أ و 80 / ب) .