وفي هذه السورة (أيضًا) [1] قوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [2] .
هذا الكلام خبر في معنى الإنشاء [3] ، أي: فليصبروا وليقاتلوا إلى أن يبلغوا مئتين [4] ، ثم نسخت بقوله تعالى: {الْئنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ ... الآية} [5] .
قال إبن عباس (- رضي الله عنه -) : لمّا (نزلت) [6] قوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ ... الآية} [7] شقّ ذلك على المسلمين، (فنزل) [8] قوله تعالى: {الْئنَ خَففَ اللَّهُ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} [9] .
(1) سقط ما بين القوسين في: (ب) .
(2) (65 / الأنفال 8) .
(3) مجيء الخبر بمعنى الإنشاء كثير في اللغة، وكذلك ورد في القرآن، كقوله تعالى: وَالْمُطَلَّقَاتُ
... يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (228 / البقرة 2) ، وكقوله تعالى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ
... حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ... (233 / البقرة 2) .
(4) ينظر: معالم التنزيل: 2/ 308، والمصفى: 207، ونواسخ القرآن: 2/ 168، والتفسيرالكبير:
... 15/ 198، ولباب التأويل: 2/ 193، وغرائب القرآن: 10/ 20، وروح المعاني: 10/ 45،
... ونظرات في القرآن: 249.
(5) (66 / الأنفال 8) .
وهذا هو المروي عن إبن عباس وعكرمة والحسن والزهري وأسند الفخرالرازي والنيسابوري
... والآلوسي هذا القول إلى الجمهور.
ينظر: الناسخ والمنسوخ: الزهري، 80 ـ 81، والناسخ والمنسوخ: الهروي،193، وجامع
... البيان: 10/ 28، والناسخ والمنسوخ: إبن حزم، 39، والناسخ والمنسوخ: إبن سلامة، 126،
... والناسخ والمنسوخ: الأسفرائني، و: (5) ، والمصفى: 207، والتفسيرالكبير: 15/ 201،
... والطود الراسخ: 2/ 61 ـ 62، والجامع لأحكام القرآن: 8/ 45، وناسخ القرآن العزيز
... ومنسوخه: 292، والناسخ والمنسوخ: العتائقي، 52، وغرائب القرآن: 10/ 22، والإتقان:
... 1/ 656، وروح المعاني: 10/ 46.
(6) كذا في الأصل، والصحيح (نزل) ، لأنه فعل لفاعل مذكر وهو (قوله) .
(7) (65 / الأنفال 8) .
(8) ما بين القوسين في (ب) : (فنزلت) ، والصحيح ما أثبتناه كما في (أ) ولأنه يعود على(قوله
... تعالى).
(9) (66 / الأنفال 8) .
أخرج نحوه عن إبن عباس: الشافعي ـ ومال إليه ـ والبخاري وأبوداود والطبري والنحاس
... والطبراني والبيهقي والسيوطي، وسنده صحيح. ينظر: أحكام القرآن: الشافعي، 2/ 39 ـ 40،
... وصحيح البخاري: 4/ 1706 برقم (4375) ، وسنن أبي داود:3/ 46 برقم (2646) ،
... وجامع البيان: 10/ 27، والناسخ والمنسوخ: النحاس، 149، والمعجم الكبير: 11/ 112 برقم
... (11211) ، والسنن الكبرى: البيهقي، 9/ 76 برقم (17858) ، ولباب النقول: 113 ـ
... 114، والصحيح من أسباب النزول: 195.
وقد رجّح عدم النسخ في الآية النحاس وإبن حزم الظاهري وأبو مسلم الأصفهاني ومال إليه
... الفخرالرازي والقرطبي، وهو المفهوم من قول الطبري، وتمسكوا بأدلة منها:
1 ـ إن هذا من باب التخفيف لا النسخ، لأن النسخ رفع الحكم المنسوخ، فالآية الثانية لم ترفع حكم الأولى، بل إن قدر الرجل على مقاومة عشرة فله الإختيار. وثمرة الخلاف في إطلاق النسخ أو التخفيف ـ كما قاله الآلوسي ـ تظهر فيما إذا قاتل واحد عشرة فقتل هل يأثم الواحد أم لا؟ فعلى قول القائلين بالنسخ يأثم وعلى القول بالتخفيف لا يأثم.
ناقش السخاوي هذا القول وردّه، بأن التخفيف يكون من الوجوب الى الندب أو من الوجوب إلى الإباحة، وهذا ما يسمّى بالنسخ، لأنه رفع حكم بحكم آخر.
2 ـ إن لفظ الآية ورد على الخبر، يقول الطبري:"ولم يكن أمرًا عزمه الله عليهم ولا أوجبه، ولكن كان تحريضًا ووصية أمر الله بها نبيه ثم خفف عنهم ..."، وإن حملناه على الأمر فإن الأمر مشروط بالصبر، فيثبت الحكم عند توفرالشرط، والثانية في حق من فقد الشرط.
3 ـ إن لفظ التخفيف لايقتضي ورود التثقيل قبله، لأن هذا وارد في كلام العرب إبتداءً، وقد وقع أيضًا في القرآن، كما عند الرخصة للحرّ في نكاح الأمة: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} (28 / النساء 4) وليس هناك نسخ.
4 ـ إن نسبة الآية الثانية للأولى نسبة النص المخفف لعارض وهوالضعف، فإذا رفع العارض عاد الحكم بالتثبت لعشرة أمثالها، فكان حكمها العزيمة مع الرخصة، ويؤيده إتصاف"عشرون"في الأولى و"المائة"في الثانية بالصبر، أو: أن الأولى متعلقة بالرعيل الأول المتصفة بالصفوة وكرم المعدن، ولكن لمّا دخل الجمع الكثير وما تحلّى بما تحلّ بها الرعيل الأول وفيهم الضعف خفّف الله عنهم، فإذا عاد المسلمون إلى حال الأوائل عاد الحكم الأول.
ينظر لمزيد التفصيل: جامع البيان: 10/ 28، والناسخ والمنسوخ: النحاس، 149، الإيضاح:260، ونواسخ القرآن: 169، والتفسيرالكبير: 15/ 201 ـ 202، والطود الراسخ: 2/ 62،والجامع لأحكام القرآن: 8/ 45، وغرائب القرآن:10/ 22، وروح المعاني: 10/ 46،والنسخ في الشريعة الإسلامية: 205 ـ وما بعدها، وإعجاز القرآن: 462 ـ 463، ونظرات في القرآن: 249، والنسخ في القرآن الكريم: د. مصطفى زيد، 2/ 824 ـ وما بعدها، والنسخ في القرآن الكريم: د. محمد صالح، 45، والتبيان: 264 ـ وما بعدها، ومباحث قرآنية: و: (81 / أ ـ 81 / ب) .