وَهَذِهِ النُّصُوصُ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ تَدُلُّ عَلَى أَمْرَيْنِ: أَوَّلُهُمَا: عُلُوُّهُ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ؛ لِأَنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ
مِنْ فَوْقِهِمْ. ثَانِيهِمَا: أَنَّ أَعْظَمَ أَنْوَاعِ النَّعِيمِ هُوَ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ. وَقَوْلُهُ: {كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ} [1] ؛ الْمُرَادُ
تَشْبِيهُ الرُّؤْيَةِ بِالرُّؤْيَةِ، لَا تَشْبِيهُ الْمَرْئِيِّ بِالْمَرْئِيِّ؛ يَعْنِي: أَنَّ رُؤْيَتَهُمْ لِرَبِّهِمْ تَكُونُ مِنَ الظُّهُورِ وَالْوُضُوحِ كَرُؤْيَةِ الْقَمَرِ فِي أَكْمَلِ حَالَاتِهِ، وَهِيَ كَوْنُهُ بَدْرًا، وَلَا يَحْجُبُهُ سَحَابٌ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: {لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ} [2]
)؛ رُوِيَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ مِنَ التَّضَامِّ؛ بِمَعْنَى: التَّزَاحُمِ والتَّلَاصُقِ، وَالتَّاءُ يَجُوزُ فِيهَا الضَّمُّ وَالْفَتْحُ، عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ تَتَضَامُّونَ، فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا، وَرُوِيَ بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ مِنَ
الضَّيْمِ؛ بِمَعْنَى: الظُّلْمِ؛ يَعْنِي: لَا يَلْحَقُكُمْ فِي رُؤْيَتِهِ ضَيْمٌ وَلَا غَبْنٌ. وَفِي حَثِّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ - خَاصَّةً - إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ حَافَظَ عَلَيْهِمَا فِي جَمَاعَةٍ نَالَ
هَذَا النَّعِيمَ الْكَامِلَ، الَّذِي يَضْمَحِلُّ بِإِزَائِهِ كُلُّ نَعِيمٍ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ
كَمَا {يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ} [3] ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(1) مسلم الإيمان (182) ، الترمذي صفة الجنة (2554) ، أبو داود السنة (4730) ، ابن ماجه المقدمة (178) ، أحمد (2/ 389) .
(2) البخاري مواقيت الصلاة (529) ، مسلم المساجد ومواضع الصلاة (633) ، الترمذي صفة الجنة (2551) ، أبو داود السنة (4729) ، ابن ماجه المقدمة (177) ، أحمد (4/ 360) .
(3) البخاري مواقيت الصلاة (530) ، مسلم المساجد ومواضع الصلاة (632) ، النسائي الصلاة (485) ، أحمد (2/ 486) ، مالك النداء للصلاة (413) .