فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 177

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} [1] .. إِلَخْ؛ فَهُوَ إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ مَحَبَّتِهِ لِهَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ مِنْ عِبَادِهِ.

أَمَّا الْأَوَّلُ: فَهُمُ التَّوَّابُونَ؛ أَيْ: الَّذِينَ يُكْثِرُونَ التَّوْبَةَ وَالرُّجُوعَ إِلَى اللَّهِ - عز وجل - بِالِاسْتِغْفَارِ مِمَّا أَلَمُّوا بِهِ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ الْمُبَالَغَةِ، فَهُمْ بِكَثْرَةِ التَّوْبَةِ قَدْ تَطَهَّرُوا مِنَ الْأَقْذَارِ وَالنَّجَاسَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ الذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي.

وَأَمَّا الثَّانِي: فَهُمُ الْمُتَطَهِّرُونَ الَّذِينَ يُبَالِغُونَ فِي التَّطَهُّرِ، وَهُوَ التَّنْظِيفُ بِالْوُضُوءِ أَوْ بِالْغُسْلِ مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالنَّجَاسَاتِ الْحِسِّيَّةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمُتَطَهِّرِينَ هُنَا الَّذِينَ يَتَنَزَّهُونَ مِنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ أَوْ فِي أَدْبَارِهِنَّ، وَالْحَمْلُ عَلَى الْعُمُومِ أَوْلَى.

وَأَمَّا قَوْلُهُ تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [2] ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا أَنَّ قَوْمًا ادَّعَوْا أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّهَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ مِحْنَةً لَهُمْ.

وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ قَدْ شَرَطَ اللَّهُ لِمَحَبَّتِهِ اتِّبَاعَ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَلَا يَنَالُ تِلْكَ الْمَحَبَّةَ إِلَّا مَنْ أَحْسَنَ الِاتِّبَاعَ وَالِاسْتِمْسَاكَ بِهَدْيِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

(وَقَوْلُهُ: {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ(14) } [3] ، وَقَوْلُهُ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) } [4] ، {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [5] ، {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43) } [6] ، {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [7] ، {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [8] ، {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) } [9] ، {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) } [10] .

قَوْلُهُ: {وَهُوَ الْغَفُورُ} [11] .. ) إِلَخْ؛ تَضَمَّنَتِ الْآيَةُ إِثْبَاتَ اسْمَيْنِ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَهُمَا: الْغَفُورُ، وَالْوَدُودُ.

أَمَّا الْأَوَّلُ: فَهُوَ مُبَالَغَةٌ فِي الْغَفْرِ، وَمَعْنَاهُ: الَّذِي يَكْثُرُ مِنْهُ السَّتْرُ عَلَى الْمُذْنِبِينَ مِنْ عِبَادِهِ، وَالتَّجَاوُزُ عَنْ مُؤَاخَذَتِهِمْ.

وَأَصْلُ الْغَفْرِ: السَّتْرُ، وَمِنْهُ يُقَالُ: الصَّبْغُ أَغْفَرُ لِلْوَسَخِ، وَمِنْهُ: الْمِغْفَرُ لِسُتْرَةِ الرَّأْسِ.

وَأَمَّا الثَّانِي: فَهُوَ مِنَ الْوُدِّ الَّذِي هُوَ خَالِصُ الْحُبِّ وَأَلْطَفُهُ، وَهُوَ إِمَّا مِنْ فَعُولٍ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: الْكَثِيرُ الْوُدِّ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ، وَالْمُتَقَرِّبُ إِلَيْهِمْ بِنَصْرِهِ لَهُمْ وَمَعُونَتِهِ، وَإِمَّا مِنْ فَعُولٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: الْمَوْدُودُ لِكَثْرَةِ إِحْسَانِهِ، الْمُسْتَحِقُّ لِأَنْ يَوَدَّهُ خَلْقُهُ فَيَعْبُدُوهُ وَيَحْمَدُوهُ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) } [12] وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْآيَاتِ؛ فَقَدْ تَضَمَّنَتْ إِثْبَاتَ اسْمَيْهِ الرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ، وَإِثْبَاتَ صِفَتَيِ الرَّحْمَةِ وَالْعِلْمِ.

(1) سورة البقرة آية: 222.

(2) سورة آل عمران آية: 31.

(3) سورة البروج آية: 14.

(4) سورة الفاتحة آية: 1.

(5) سورة غافر آية: 7.

(6) سورة الأحزاب آية: 43.

(7) سورة الأعراف آية: 156.

(8) سورة الأنعام آية: 54.

(9) سورة يونس آية: 107.

(10) سورة يوسف آية: 64.

(11) سورة يونس آية: 107.

(12) سورة الفاتحة آية: 1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت