فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 177

وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) } [1] الْكَلَامُ عَلَى هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ، وَبَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّ أَوَّلَهُمَا دَالٌّ عَلَى صِفَةِ الذَّاتِ وَالثَّانِيَ دَالٌّ عَلَى صِفَةِ الْفِعْلِ.

وَقَدْ أَنْكَرَتِ الْأَشَاعِرَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ صِفَةَ الرَّحْمَةِ بِدَعْوَى أَنَّهَا فِي الْمَخْلُوقِ ضَعْفٌ وَخَوَرٌ وَتَأَلُّمٌ لِلْمَرْحُومِ، وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ الْجَهْلِ، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ إِنَّمَا تَكُونُ مِنَ الْأَقْوِيَاءِ لِلضُّعَفَاءِ، فلَا تَسْتَلْزِمُ ضَعْفًا وَلَا خَوَرًا؛ بَلْ قَدْ تَكُونُ مَعَ غَايَةِ الْعِزَّةِ وَالْقُدْرَةِ، فَالْإِنْسَانُ الْقَوِيُّ يَرْحَمُ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ وَأَبَوَيْهِ الْكَبِيرَيْنِ وَمَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ، وَأَيْنَ الضَّعْفُ وَالْخَوَرُ وَهُمَا مِنْ أَذَمِّ الصِّفَاتِ مِنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي وَصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ بِهَا، وَأَثْنَى عَلَى أَوْلِيَائِهِ الْمُتَصِّفِينَ بِهَا، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَوَاصَوْا بِهَا؟! وَقَوْلُهُ: {رَبَّنَا وَسِعْتَ} [2] .. إِلَخْ؛ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ - عز وجل - حِكَايَةً عَنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَالَّذِينَ حَوْلَهُ، يَتَوَسَّلُونَ إِلَى اللَّهِ - عز وجل - بِرُبُوبِيَّتِهِ وَسَعَةِ عِلْمِهِ وَرَحْمَتِهِ فِي دُعَائِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ التَّوَسُّلَاتِ الَّتِي يُرْجَى مَعَهَا الْإِجَابَةُ.

وَنَصَبَ قَوْلَهُ: {رَحْمَةً وَعِلْمًا} [3] عَلَى التَّمْيِيزِ الْمُحَوَّلِ عَنِ الْفَاعِلِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَسِعَتْ رَحْمَتُكَ وَعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ، فَرَحْمَتُهُ سُبْحَانَهُ وَسِعَتْ فِي الدُّنْيَا الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ وَالْبَرَّ وَالْفَاجِرَ، وَلَكِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَكُونُ خَاصَّةً بِالْمُتَّقِينَ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [4] .. الْآيَةَ.

(1) سورة الفاتحة آية: 1.

(2) سورة غافر آية: 7.

(3) سورة غافر آية: 7.

(4) سورة الأعراف آية: 156.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت