قَوْلُهُ:(يَقُولُ
تَعَالَى: يَا آدَمُ .. )إلخ؛ فِي هَذَيْنِ
الْحَدِيثَيْنِ إِثْبَاتُ الْقَوْلِ وَالنِّدَاءِ وَالتَّكْلِيمِ لِلَّهِ - عز وجل - وَقَدْ سَبَقَ أَنْ بَيَّنَّا مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ هَذِهِ صِفَاتُ أَفْعَالٍ لَهُ سُبْحَانَهُ تَابِعَةٌ لِمَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، فَهُوَ قَالَ، وَيَقُولُ، وَنَادَى، وَيُنَادِي، وَكَلَّمَ، وَيُكَلِّمُ، وَأَنَّ قَوْلَهُ وَنِدَاءَهُ وَتَكْلِيمَهُ إِنَّمَا يَكُونُ بِحُرُوفٍ وَأَصْوَاتٍ يَسْمَعُهَا مَنْ يُنَادِيهِ وَيُكَلِّمُهُ، وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى الْأَشَاعِرَةِ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ كَلَامَهُ
قَدِيمٌ، وَإِنَّهُ بِلَا حَرْفٍ
وَلَا صَوْتٍ. وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ الثَّانِي عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ سَيُكَلِّمُ جَمِيعَ عِبَادِهِ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَهَذَا تَكْلِيمٌ عَامٌّ؛ لِأَنَّهُ تَكْلِيمُ مُحَاسَبَةٍ، فَهُوَ يَشْمَلُ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ وَالْبَرَّ وَالْفَاجِرَ، وَلَا
يُنَافِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( } [1] لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ بِمَا يَسُرُّ الْمُكَلَّمَ، وَهُوَ تَكْلِيمٌ خَاصٌّ، وَيُقَابِلُهُ تَكْلِيمُهُ سُبْحَانَهُ لِأَهْلِ
الْجَنَّةِ تَكْلِيمَ
مَحَبَّةٍ وَرِضْوَانٍ وَإِحْسَانٍ.
أحاديث في عُلُوِّهِ تَعَالَى وَفَوْقِيَّتِهِ (وَقَوْلُهُ فِي رُقْيَةِ الْمَرِيضِ: فِي السَّمَاءِ، تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ اجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الْأَرْضِ، اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا
وَخَطَايَانَا، أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ، أَنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ، وَشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ عَلَى هَذَا الْوَجَعِ؛ فَيَبْرَأَ [2] حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدَ {أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ} [3] ، حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَوْلُهُ: وَالْعَرْشُ فَوْقَ الْمَاءِ، وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ
رَوَاهُ مُسْلِمٌ). قَوْلُهُ: {رَبَّنَا اللَّهَ فِي السَّمَاءِ} [4] .. ) إلخ؛ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي صَرِيحٌ فِي عُلُوِّهِ تَعَالَى وَفَوْقِيَّتِهِ؛ فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( } [5] . وَقَدْ سَبَقَ أَنْ قُلْنَا: إِنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ لَيْسَ الْمُرَادَ مِنْهَا أَنَّ السَّمَاءَ ظَرْفٌ حَاوٍ لَهُ سُبْحَانَهُ؛ بَلْ(فِي) إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى (عَلَى) ؛ كَمَا
قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاللُّغَةِ، وَ (فِي) تَكُونُ بِمَعْنَى (عَلَى) فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ؛ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (((} $%& سورة طه آية: يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ) ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ السَّمَاءِ جِهَةَ الْعُلُوِّ،
وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَهِيَ نَصٌّ فِي عُلُوِّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ. وَفِي حَدِيثِ الرُّقْيَةِ الْمَذْكُورِ تَوَسُّلٌ إِلَى اللَّهِ - عز وجل - بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَإِلَاهِيَّتِهِ
وَتَقْدِيسِ اسْمِهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ
وَعُمُومِ أَمْرِهِ الشَّرْعِيِّ وَأَمْرِهِ الْقَدَرِيِّ، ثُمَّ تَوَسُّلٌ إِلَيْهِ بِرَحْمَتِهِ الَّتِي شَمَلَتْ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ جَمِيعًا أَنْ يَجْعَلَ
(1) سورة البقرة آية: 174.
(2) أبو داود الطب
(3) البخاري المغازي (4094) ، مسلم الزكاة (1064) .
(4) أبو داود الطب (3892) .
(5) سورة الملك آية: 16.