قَوْلُهُ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ} [1] ؛ هَذِهِ الْآيَةُ الْمُحْكَمَةُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ - عز وجل - هِيَ دُسْتُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي بَابِ الصِّفَاتِ، فَإِنَّ اللَّهَ - عز وجل - قَدْ جَمَعَ فِيهَا بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، فَنَفَى عَنْ نَفْسِهِ الْمِثْلَ، وَأَثْبَتَ لِنَفْسِهِ سَمْعًا وَبَصَرًا، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ الْحَقَّ لَيْسَ هُوَ نَفْيَ الصِّفَاتِ مُطْلَقًا، كَمَا هُوَ شَأْنُ الْمُعَطِّلَةِ، وَلَا إِثْبَاتُهَا مُطْلَقًا كَمَا هُوَ شَأْنُ الْمُمَثِّلَةِ؛ بَلْ إِثْبَاتُهَا بِلَا تَمْثِيلٍ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي إِعْرَابِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [2] عَلَى وُجُوهٍ، أَصَحُّهَا: أَنَّ الْكَافَ صِلَةٌ زِيدَتْ لِلتَّأْكِيدِ، كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
لَيْسَ كَمِثْلِ الْفَتَى زُهَيْرٍ ... خَلْقٌ يُوَازِيهِ فِي الْفَضَائِل
فلَا يَنْفُونَ عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَلَا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلَا يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ، وَلَا يُكَيِّفُونَ وَلَا يُمَثِّلُونَ صِفَاتِهِ بِصِفَاتِ خَلْقِهِ.
وَقَوْلُهُ: (فلَا يَنْفُونَ عَنْهُ .. إلخ) تَفْرِيعٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ؛ فَإِنَّهُمْ إِذَا كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؛ فَلَا يَنْفُونَ وَلَا يُحَرِّفُونَ، وَلَا يُكَيِّفُونَ وَلَا يُمَثِّلُونَ.
وَالْمَوَاضِعُ: جَمْعُ مَوْضِعٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْمَعَانِي الَّتِي يَجِبُ تَنْزِيلُ الْكَلَامِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُتَبَادِرَةُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، فَهُمْ لَا يَعْدِلُونَ بِهِ عَنْهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَلَا يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ) فَقَدْ قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَالْإِلْحَادُ فِي أَسْمَائِهِ هُوَ الْعُدُولُ بِهَا وَبِحَقَائِقِهَا وَمَعَانِيهَا عَنِ الْحَقِّ الثَّابِتِ لَهَا؛ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَيْلِ؛ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَادَّةُ(ل ح د) ، فَمِنْهُ
(1) سورة الشورى آية: 11.
(2) سورة الشورى آية: 11.