النَّكِيرَ عَلَى مَنْ
أَنْكَرَ عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ (فَصْلٌ) وَقَدْ دَخَلَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ الْإِيمَانُ فِي كِتَابِهِ،
وَتَوَاتَرَ عَنْ رَسُولِهِ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ
سَلَفُ الْأُمَّةِ؛ مِنْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ،
عَلَى عَرْشِهِ، عَلِيٌّ عَلَى خَلْقِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ
مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا، يَعْلَمُ مَا
هُمْ عَامِلُونَ؛ كَمَا
جَمَعَ بَيْنَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: (( ((
بَلِ الْقَمَرُ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مِنْ أَصْغَرِ مَخْلُوقَاتِهِ، وَهُوَ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ مَعَ الْمُسَافِرِ وَغَيْرِ الْمُسَافِرِ أَيْنَمَا كَانَ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، رَقِيبٌ عَلَى خَلْقِهِ، مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ .. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي رُبُوبِيَّتِهِ. وَكُلُّ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ
مِنْ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَأَنَّهُ مَعَنَا حَقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَحْرِيفٍ،
وَلَكِنْ يُصَانُ عَنِ الظُّنُونِ الْكَاذِبَةِ؛ مِثْلِ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ:
(فِي السَّمَاءِ) ؛ أَنَّ السَّمَاءَ تُظِلُّهُ أَوْ تُقِلُّهُ، وَهَذَا بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( } [2] ، وَهُوَ (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (
). قَوْلُهُ:(وَقَدْ دَخَلَ
فِيمَا ذَكَرْنَاهُ
مِنَ
الْإِيمَانِ .. )إلخ. صَرَّحَ الْمُؤَلِّفُ هُنَا بِمَسْأَلَةِ عُلُوِّ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنًا مِنْ خَلْقِهِ؛ كَمَا أَخْبَرَ
اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، وَكَمَا تَوَاتَرَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِهِ، وَكَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ الَّذِينَ هُمْ أَكْمَلُهَا عِلْمًا وَإِيمَانًا، مُؤَكِّدًا بِذَلِكَ مَا سَبَقَ أَنْ ذَكَرَهُ فِي هَذَا الصَّدَدِ، وَمُشَدِّدًا النَّكِيرَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ اسْتِوَاءَهُ عَلَى عَرْشِهِ لَا يُنَافِي مَعِيَّتَهُ
وَقُرْبَهُ مِنْ خَلْقِهِ؛ فَإِنَّ الْمَعِيَّةَ لَيْسَ مَعْنَاهَا الِاخْتِلَاطَ وَالْمُجَاوَرَةَ الْحِسِّيَّةَ.
وَضَرَبَ
لِذَلِكَ مَثَلًا بِالْقَمَرِ الَّذِي هُوَ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ مَعَ الْمُسَافِرِ وَغَيْرِهِ أَيْنَمَا كَانَ؛ بِظُهُورِهِ وَاتِّصَالِ نُورِهِ، فَإِذَا جَازَ هَذَا بِالنِّسْبَةِ مِنْ أَصْغَرِ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ؛ أَفَلَا يَجُوزُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ الَّذِي أَحَاطَ بِعِبَادِهِ عِلْمًا وَقُدْرَةً، وَالَّذِي هُوَ شَهِيدٌ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ، يَسْمَعُهُمْ، وَيَرَاهُمْ، وَيَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ، بَلِ هُوَ كُلُّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ أفلَا يَخْرُجُ مِنْهَا هَذَا يَنْزِلُ أَنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ كَوْنِهِ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) يَجِبُ الْإِيمَانُ بِكُلٍّ مِنْ عُلُوِّهِ تَعَالَى وَمَعِيَّتِهِ، وَاعْتِقَادِهِ أَنَّ
ذَلِكَ كُلَّهُ
حَقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَاءَ فَهْمُ ذَلِكَ، أَوْ يُحْمَلَ عَلَى مَعَانٍ فَاسِدَةٍ؛ كَأَنْ يُفْهَمَ مِنْ قَوْلِهِ: (وَهُوَ مَعَكُمْ) مَعِيَّةُ الِاخْتِلَاطِ وَالِامْتِزَاجِ؛ كَمَا يَزْعُمُهُ
(1) سورة الحديد آية: 4.
(2) سورة البقرة آية: 255.
(3) سورة فاطر آية: 41.
(4) سورة الحج آية: 65.
(5) سورة الروم آية: