فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 177

الْمُعْتَزِلَةِ؛ حَيْثُ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي، فَجَعَلَ الْأَلْفَاظَ مَخْلُوقَةً، وَالْمَعَانِيَ عِبَارَةً عَنِ الصِّفَةِ الْقَدِيمَةِ؛ كَمَا أَنَّهُ ضَاهَى النَّصَارَى فِي قَوْلِهِمْ بِحُلُولِ اللَّاهُوتِ وَهُوَ الْكَلِمَةُ فِي النَّاسُوتِ وَهُوَ جَسَدُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ قَالَ بِحُلُولِ الْمَعَانِي وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ فِي تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ فَجَعَلَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) حَيْثُ تَصَرَّفَ، فَمَهْمَا كَتَبْنَاهُ فِي الْمَصَاحِفِ، أَوْ تَلَوْنَاهُ بِالْأَلْسِنَةِ؛

لَمْ يَخْرُجْ

بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلَامَ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ إِنَّمَا يُضَافُ إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا؛ لَا إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا.

وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلُ السَّلَفِ: (مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ) ؛ فَهُوَ مِنَ الْبَدْءِ؛ يَعْنِي: أَنَّ اللَّهَ

هُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ ابْتِدَاءً، لَمْ يُبْتَدَأْ مِنْ غَيْرِهِ،

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْبُدُوِّ؛ بِمَعْنَى الظُّهُورِ؛ يَعْنِي أَنَّهُ هُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ وَظَهَرَ مِنْهُ، لَمْ يَظْهَرْ مِنْ غَيْرِهِ. وَمَعْنَى: (إِلَيْهِ يَعُودُ) ؛ أَيْ: يَرْجِعُ إِلَيْهِ وَصْفًا؛ لِأَنَّهُ وَصْفُهُ الْقَائِمُ بِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَعُودُ حُسْنُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، حُسْنُ يُرْفَعُ

مِنَ الْمَصَاحِفِ وَالصُّدُورِ؛ كَمَا وَرَدَ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ. وَأَمَّا كَوْنُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ دَاخِلًا فِي الْإِيمَانِ بِالْكُتُبِ؛ فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِهَا إِيمَانًا صَحِيحًا يَقْتَضِي إِيمَانَ الْعَبْدِ بِأَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِهَا بِأَلْفَاظِهَا وَمَعانِيهَا، وَأَنَّهَا جَمِيعًا كَلَامُهُ هُوَ؛ لَا كَلَامُ غَيْرِهِ، فَهُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِالتَّوْرَاةِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَبِالْإِنْجِيلِ بِالسُّرْيَانِيَّةِ، وَبِالْقُرْآنِ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ.

الْإِيمَانَ بِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دَاخِل فِي

الْإِيمَانِ بِاللَّهِ (وَقَدْ دَخَلَ أَيْضًا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِيَانًا بِأَبْصَارِهِمْ كَمَا يَرَوْنَ الشَّمْسَ صَحْوًا لَيْسَ بِهَا سَحَابٌ، وَكَمَا يَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا يُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت