عَلِيًّا - رضي الله عنه -
قَالَ ذَلِكَ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ، وَسَمِعَهُ مِنْهُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ؛ وَكَانَ يَقُولُ:(مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -
حَتَّى عَلِمْنَا أَنَّ أَفْضَلَنَا بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَمَا مَاتَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى عَلِمْنَا أَنَّ أَفْضَلَنَا بَعْدَهُ عُمَرُ). وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَيُثَلِّثُونَ بِعُثْمَانَ، وَيُرَبِّعُونَ بِعَلِيٍّ .. ) إلخ؛ فَمَذْهَبُ جُمْهُورِ أَهْلِ فِي الْفَضْلِ عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِهِمْ فِي الْخِلَافَةِ، وَهُمْ لِهَذَا عَلَى عَلِيٍّ، مُحْتَجِّينَ بِتَقْدِيمِ الصَّحَابَةِ فِي الْبَيْعَةِ عَلَى عَلِيٍّ. وَبَعْضُ أَهْلِ السُّنَّةِ يُفَضِّلُ
عَلِيًّا؛ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ مَا وَرَدَ مِنَ فِي مَزَايَا عَلِيٍّ وَمَنَاقِبِهِ أَكْثَرُ. وَبَعْضُهُمْ يَتَوَقَّفُ فِي ذَلِكَ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ؛ فَمَسْأَلَةُ التَّفْضِيلِ لَيْسَتْ كَمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ مِنْ
مَسَائِلِ الْأُصُولِ الَّتِي يُضَلَّلُ فِيهَا الْمُخَالِفُ، وَإِنَّمَا هِيَ مَسْأَلَةٌ فَرْعِيَّةٌ يَتَّسِعُ لَهَا الْخِلَافُ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْخِلَافَةِ؛ فَيَجِبُ الِاعْتِقَادُ بِأَنَّ خِلَافَةَ عُثْمَانَ كَانَتْ صَحِيحَةً؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ بِمَشُورَةٍ مِنَ السِّتَّةِ، الَّذِينَ عَيَّنَهُمْ عُمَرُ - رضي الله عنه - لِيَخْتَارُوا الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِهِ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ خِلَافَةَ عُثْمَانَ كَانَتْ بَاطِلَةً، وَأَنَّ عَلِيًّا كَانَ أَحَقَّ بِالْخِلَافَةِ مِنْهُ؛ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ يَغْلِبُ عَلَيْهِ التَّشَيُّعُ؛ مَعَ مَا فِي قَوْلِهِ مِنْ إِزْرَاءٍ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.
أهل السنة يحبون آل البيت ويتبروؤن ممن يعاديهم وَيُحِبُّونَ آلَ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَيَتَوَلَّوْنَهُمْ، وَيَحْفَظُونَ فِيهِمْ وَصِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه
وسلم - حَيْثُ
قَالَ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: {أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي} [1] .
أَهْلُ بَيْتِهِ - صلى الله عليه وسلم - هُمْ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ، وَهُمْ: آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَقِيلٍ، مِنْ بَنِي هَاشِمٍ،
وَيَلْحَقُ بِهِمْ بَنُو الْمُطَّلِبِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ
السَّلَامُ: {إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونَا جَاهِلِيَّةً وَلَا إِسْلَامًا} [2] . فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَرْعَوْنَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ وَقَرَابَتَهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ كَمَا يُحِبُّونَهُمْ لِإِسْلَامِهِمْ، وَسَبْقِهِمْ، وَحُسْنِ بَلَائِهِمْ فِي نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَ (غَدِيرُ خُمٍّ) بِضَمِّ الْخَاءِ قِيلَ: اسْمُ رَجُلٍ صَبَّاغٍ أُضِيفَ إِلَيْهِ الْغَدِيرُ الَّذِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ بِالْجُحْفَةِ. وَقِيلَ: خُمٌّ اسْمُ غَيْضَةٍ هُنَاكَ نُسِبَ إِلَيْهَا الْغَدِيرُ، وَالْغَيْضَةُ: الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِعَمِّهِ: وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحِبُّوكُمْ لِلَّهِ وَلِقَرَابَتِي؛
فَمَعْنَاهُ: لَا يَتِمُّ إِيمَانُ أَحَدٍ حَتَّى يُحِبَّ أَهْلَ بَيْتِ
(1) مسلم فضائل الصحابة (2408) ، * لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ أَيْضًا لِلْعَبَّاسِ عَمِّهِ وَقَدِ اشْتَكَى إِلَيْهِ أَنَّ بَعْضَ قُرَيْشٍ
يَجْفُو بَنِي هَاشِمٍ فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحِبُّوكُمْ
لِلَّهِ وَلِقَرَابَتِي. وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى
مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ $%& مسلم الفضائل (2276) ، الترمذي المناقب (3605) ، أحمد (4/ 107) .
(2) النسائي قسم الفيء (4137) ، أبو داود الخراج والإمارة والفيء (2980) ، أحمد (4/ 81) .