فهرس الكتاب
فَمُرْتَكِبُ الْكَبِيرَةِ عِنْدَهُمْ لَا يُسَمَّى مُؤْمِنًا بِاتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ. وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا: هَلْ يُسَمَّى كَافِرًا أَوْ لَا؟ فَالْخَوَارِجُ يُسَمُّونَهُ كَافِرًا، وَيَسْتَحِلُّونَ دَمَهُ وَمَالَهُ،
وَلِهَذَا كَفَّرُوا عَلِيًّا وَمُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابَهُمَا، وَاسْتَحَلُّوا مِنْهُمْ مَا يَسْتَحِلُّونَ مِنَ الْكُفَّارِ. وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ؛ فَقَالُوا: إِنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ خَرَجَ مِنَ الْإِيمَانِ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْكُفْرِ؛ فَهُوَ بِمَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، وَهَذَا أَحَدُ الْأُصُولِ الَّتِي قَامَ عَلَيْهَا مَذْهَبُ الِاعْتِزَالِ. وَاتَّفَقَ الْفَرِيقَانِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى كَبِيرَةٍ فِي النَّارِ. فَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ بَيْنَهُمَا فِي أَمْرَيْنِ: 1 - نَفْيُ الْإِيمَانِ عَنْ مُرْتِكِبِ الْكَبِيرَةِ. 2 - خُلُودُهُ فِي النَّارِ مَعَ الْكُفَّارِ. وَوَقَعَ الْخِلَافُ أَيْضًا فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَسْمِيَتُهُ كَافِرًا.
وَالثَّانِي: اسْتِحْلَالُ دَمِهِ وَمَالِهِ، وَهُوَ الْحُكْمُ الدُّنْيَوِيُّ. وَأَمَّا الْمُرْجِئَةُ؛ فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ مَذْهَبِهِمْ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ مَعْصِيَةٌ؛ فَمُرْتَكِبُ الْكَبِيرَةِ عِنْدَهُمْ مُؤْمِنٌ كَامِلُ الْإِيمَانِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ دُخُولَ النَّارِ. فَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَسَطٌ بَيْنَ هَذَيْنِ الْمَذْهَبَيْنِ؛ فَمُرْتَكِبُ الْكَبِيرَةِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ إِيمَانِهِ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ فَلَا يَنْفُونَ عَنْهُ الْإِيمَانَ أَصْلًا؛ كَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَلَا يَقُولُونَ بِأَنَّهُ
كَامِلُ الْإِيمَانِ؛ كَالْمُرْجِئَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ.