وَيَنْهَوْنَ
عَنِ الْفَخْرِ، وَالْخُيَلَاءِ، وَالْبَغْيِ، وَالِاسْتِطَالَةِ عَلَى الْخَلْقِ بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِ
حَقٍّ.
وَيَأْمُرُونَ بِمَعَالِي الْأَخْلَاقِ، وَيَنْهَوْنَ عَنْ سَفْسَافِهَا. وَكُلُّ مَا يَقُولُونَهُ وَيَفْعَلُونَهُ مِنْ هَذَا وَغَيْرِهِ؛ فَإِنَّمَا هُمْ فِيهِ مُتَّبِعُونَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَطَرِيقَتُهُمْ هِيَ دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ - صلى الله عليه وسلم -. قَوْلُهُ: (ثُمَّ هُمْ مَعَ هَذِهِ الْأُصُولِ .. ) إلخ؛ جَمَعَ الْمُؤَلِّفُ فِي هَذَا الْفَصْلِ جِمَاعَ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي يَتَخَلَّقُ بِهَا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ؛ وَهُوَ مَا عُرِفَ حُسْنُهُ بِالشَّرْعِ وَالْعَقْلِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ؛ وَهُوَ كُلُّ قَبِيحٍ
عَقْلًا وَشَرْعًا؛
عَلَى حَسَبِ مَا تُوجِبُهُ الشَّرِيعَةُ مِنْ تِلْكَ الْفَرِيضَةِ؛ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا؛ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؛ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؛ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ} (
[1] . وَمِنْ
شُهُودِ الْجُمَعِ وَالْجَمَاعَاتِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ مَعَ الْأُمَرَاءِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ} . وَمِنَ النُّصْحِ
لِكُلِّ مُسْلِمٍ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {الدِّينُ النَّصِيحَةُ} [2] . وَمِنْ فَهْمٍ صَحِيحٍ لِمَا تُوجِبُهُ الْأُخُوَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ مِنْ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يُشَبِّهُ فِيهَا الرَّسُولُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْبُنْيَانِ
الْمَرْصُوصِ الْمُتَمَاسِكِ اللَّبِنَاتِ، أَوْ بِالْجَسَدِ الْمُتَرَابِطِ الْأَعْضَاءِ مِنْ دَعْوَةٍ إِلَى فَهُمْ يَدْعُونَ إِلَى عَلَى الْمَصَائِبِ، اللَّهِ وَقَدَرِهِ .. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ
مِمَّا ذَكَرَهُ. لَكِنْ لَمَّا - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ أُمَّتَهُ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً؛ كُلُّهَا فِي النَّارِ؛ إِلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ
عَنِ الشَّوْبِ هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَفِيهِمُ الصِّدِّيقُونَ، وَالشُّهَدَاءُ، وَالصَّالِحُونَ، وَمِنْهُمْ أَعْلَامُ الْهُدَى، وَمَصَابِيحُ الدُّجَى، أُولُو الْمَنَاقِبِ الْمَأْثُورَةِ، وَالْفَضَائِلِ الْمَذْكُورَةِ، وَفِيهِمُ الْأَبْدَالُ، وَفِيهِمْ أَئِمَّةُ الدِّينِ، الَّذِينَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ، وَهُمُ الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ - صلى لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ مَنْصُورَةً، لَا
يَضُرُّهُمْ
مَنْ خَالَفَهُمْ، وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ؛ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ
نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْهُمْ وَأَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا، وَأَنْ يَهَبَ لَنَا
مِنْ لَدُنْهُ رَحْمَةً إِنَّهُ هُوَ الْوَهَّابُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَفِيهِمُ الصِّدِّيقُونَ .. ) إلخ؛ فَالصِّدِّيقُ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ مِنَ الصِّدْقِ، يُرَادُ بِهِ الْكَثِيرُ التَّصْدِيقِ، وَأَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - هُوَ الصِّدِّيقُ الْأَوَّلُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ. وَأَمَّا الشُّهَدَاءُ؛ فَهُوَ جَمْعُ شَهِيدٍ، وَهُوَ مَنْ
قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ.
(1) مسلم الإيمان (49) ، الترمذي الفتن (2172) ، النسائي الإيمان وشرائعه (5009) ، أبو داود الصلاة (1140) ، ابن ماجه إقامة
الصلاة والسنة فيها (1275) ، أحمد (3/ 10) .
(2) مسلم الإيمان (55)
، النسائي البيعة (4197) ، أبو داود الأدب (4944) ، أحمد (4/ 102) .
(3) أبو داود السنة (4597) ، أحمد (4/ 102) .
(4) الترمذي الإيمان (2641) .
(5) الترمذي الفتن (2192) ، ابن ماجه المقدمة (6) .