وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إِنَّ لَفْظَ الِاسْمِ هُنَا مُقْحَمٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعَانَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بِاللَّهِ - عز وجل - لَا بِاسْمِهِ، لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ ذِكْرُ الِاسْمِ الْكَرِيمِ بِاللِّسَانِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) } [1] .
أَيْ: سَبِّحْهُ نَاطِقًا بِاسْمِ رَبِّكَ، مُتَكَلِّمًا بِهِ، فَالْمُرَادُ التَّبَرُّكُ بِالِابْتِدَاءِ بِذِكْرِ اسْمِهِ - تَعَالَى - وَاسْمُ الْجَلَالَةِ: قِيلَ إِنَّهُ اسْمٌ جَامِدٌ غَيْرُ مُشْتَقٍّ؛ لِأَنَّ الِاشْتِقَاقَ يَسْتَلْزِمُ مَادَّةً يُشْتَقُّ مِنْهَا، وَاسْمُهُ تَعَالَى قَدِيمٌ، وَالْقَدِيمُ لَا مَادَّةَ لَهُ، فَهُوَ كَسَائِرِ الْأَعْلَامِ الْمَحْضَةِ، الَّتِي لَا تَتَضَمَّنُ صِفَاتٍ تَقُومُ بِمُسَمَّيَاتِهَا.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ. وَاخْتُلِفَ فِي مَبْدَأِ اشْتِقَاقِهِ، فَقِيلَ: مِنْ أَلَهَ يَأْلَهُ أُلُوهَةً وَإِلَاهَةً وَأُلُوهِيَّةً؛ بِمَعْنَى: عَبَدَ عِبَادَةً، وَقِيلَ: مِنْ أَلِهَ - بِكَسْرِ اللَّامِ - يَأْلَهُ - بِفَتْحِهَا - أَلَهًا؛ إِذَا تَحَيَّرَ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، فَهُوَ إِلَهٌ؛ بِمَعْنَى مَأْلُوهٍ؛ أَيْ: مَعْبُودٍ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: (اللَّهُ ذُو الْإِلَهِيَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ عَلَى خَلْقِهِ أَجْمَعِينَ) .
وَعَلَى الْقَوْلِ بِالِاشْتِقَاقِ يَكُونُ وَصْفًا فِي الْأَصْلِ، وَلَكِنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الْعَلَمِيَّةُ، فَتَجْرِي عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الْأَسْمَاءِ أَخْبَارًا وَأَوْصَافًا، يُقَالُ: اللَّهُ رَحْمَنٌ رَحِيمٌ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، كَمَا يُقَالُ: اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ .. إِلَخْ.
وَ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) : اسْمَانِ كَرِيمَانِ مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، دَالَّانِ عَلَى اتِّصَافِهِ تَعَالَى بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ، وَهِيَ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لَهُ سُبْحَانَهُ، عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا لَازِمُهَا، كَإِرَادَةِ الْإِحْسَانِ وَنَحْوِهِ، كَمَا يَزْعُمُ الْمُعَطِّلَةُ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
(1) سورة الأعلى آية: 1.