الْأُولَى: صِحَّتُهُ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ؛ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيَقُولُ الذَّهَبِيُّ فِي كِتَابِهِ (الْعُلُوُّ لِلْعَلِيِّ الْغَفَّارِ) : (إِنَّ أَحَادِيثَ النُّزُولِ مُتَوَاتِرَةٌ، تُفِيدُ الْقَطْعَ) . وَعَلَى هَذَا؛ فَلَا مَجَالَ لِإِنْكَارٍ أَوْ جُحُودٍ. هَذَا الْحَدِيثُ؛ وَهُوَ إِخْبَارُهُ
-صلى الله عليه وسلم - بِنُزُولِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ .. إلخ. وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ النُّزُولَ صِفَةٌ لِلَّهِ - عز وجل - عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، فَهُوَ لَا يُمَاثِلُ نُزُولَ الْخَلْقِ؛ كَمَا أَنَّ اسْتِوَاءَهُ لَا يُمَاثِلُ اسْتِوَاءَ الْخَلْقِ. يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَفْسِيرِهِ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ:(فَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ إِذَا وَصَفَهُ رَسُولُهُ
بِأَنَّهُ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ، وَأَنَّهُ يَدْنُو عَشِيَّةَ عَرَفَةَ إِلَى الْحُجَّاجِ، وَأَنَّهُ كَلَّمَ مُوسَى بِالْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَأَنَّهُ
اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ
وَهِيَ دُخَانٌ، فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا؛ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَفْعَالُ مِنْ جِنْسِ مَا نُشَاهِدُهُ مِنْ نُزُولِ هَذِهِ الْأَعْيَانِ الْمَشْهُودَةِ حَتَّى يُقَالَ: ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَفْرِيغَ مَكَانٍ وَشَغْلَ آخَرَ). فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يُؤْمِنُونَ بِالنُّزُولِ صِفَةً حَقِيقِيَّةً لِلَّهِ - عز وجل - عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي يَشَاءُ، فَيُثْبِتُونَ النُّزُولَ كَمَا يُثْبِتُونَ جَمِيعَ الصِّفَاتِ الَّتِي ثَبَتَتْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَيَقِفُونَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَا يُكَيِّفُونَ وَلَا يُمَثِّلُونَ وَلَا يَنْفُونَ وَلَا يُعَطِّلُونَ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الرَّسُولَ أَخْبَرَنَا أَنَّهُ يَنْزِلُ،
وَلَكِنَّهُ لَمْ يُخْبِرْنَا كَيْفَ
يَنْزِلُ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.