وفعلا، فلما دفعا المال إلى أمير المؤمنين سألهما: هل أسلف أبو موسى كل الجيش أو اختصكما أنتما به؟ فقالا: بل اختصنا، فقال: إنما فعل ذلك معكما لأنكما ابني أمير المؤمنين، وطلب منهما أن يدفعا رأس المال والربح إلى بيت المال، فسكت عبد الله، أما عبيد الله فقال له: هذا لا ينبغي لك يا أمير المؤمنين، لأن المال كان في ضماننا، ولو هلك لألزمتنا به، وبعد نقاش قال رجل من الحاضرين: لو جعلته قراضا (يعني مضاربة) يا أمير المؤمنين، فجعل نصف الربح لبيت المال، والنصف الآخر لولديه (1) .
وقد ورد عن الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم قاموا بدفع أموال اليتامى مضاربة، منهم عثمان بن عفان وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعائشة رضي الله عنهم أجمعين، كما ورد عن عثمان وابن عمر وجابر وحكيم بن حزام وغيرهم: أنهم كانوا يدفعون أموالهم مضاربة (2) .
يتبين من خلال ذلك أن أصل القراض كان موجودا، وأخذ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - به يؤكد أن المضاربة في الإسلام مشروعة، وهي أقرب إلى العدل في المعاملات المالية، باعتبارها تزاوج بين رأس المال والعمل لضمان حركة النشاط الاقتصادي في المجتمع على الوجه الذي لا يلحق الضرر بأحد طرفي المعاملة.
والعقل يقتضي مشروعيتها لشدة حاجة الناس إليها من الجانبين، فيوجد صاحب المال الذي لا يعرف أوجه الاستثمار، ولا يحسن التجارة، أو لا يملك الوقت الكافي لممارسة تلك الأعمال، وبالتالي فهو بحاجة إلى طرف آخر يتولى العمل في ماله مضاربة فيستفيد الطرفان، فلا ينكر أحد ذلك لعموم النفع وانتفاء وقوع الضرر على أحد الطرفين كما يحدث مع القروض البنكية.