خامسا: تعطيل قوانين السوق عن العمل، فإذا كانت الدولة صاحبة السيادة في سن القوانين والمراسيم، فإنه بإمكان أفراد الحكم ممارسة عملية التسعير الإداري لتجارتهم بيعا وشراء، كما يمكنهم ممارسة الاحتكار، وكلها عمليات تحل محل الآليات التي يعمل بها السوق في الظروف العادية.
وحتى يبين ابن خلدون سوء تقدير الدولة إن هي زاحمت الأفراد في أعمالهم الاقتصادية، يضرب مثلا بدولة الفرس، إذ يقول: (( وكان الفرس لا يملِّكون عليهم إلا من أهل بيت المملكة، ثمّ يختارونه من أهل الفضل والدين والأدب والسخاء والشجاعة والكرم، ثم يشترطون عليه مع ذلك العدل، وأن لا يتخذ صنعة فيضر بجيرانه، ولا يتاجر فيجلب غلاء الأسعار في البضائع ) ) (1) .
وهذا الاستدلال جاء للتأكيد على كون الدول المتحضرة ليس لقادتها الحق في ممارسة أي نشاط اقتصادي يلحق الضرر بأفراد المجتمع، لأن قوام الاقتصاد النشاط الفردي الحر، وأن التنافس العادل يكون بين الأفراد لتكافؤ فرصهم، فإذا ما دخل رجال الحكم تلك المنافسة اختل التوازن وكانت النتائج عكسية.
هي إذن نظرية علمية ثابتة في مجال النشاط الاقتصادي، فكلما ألغت الدولة بقوانينها ونشاطاتها الآليات التي يعمل بها السوق، كلما وقع الاقتصاد في الركود ومن ثم الإفلاس، وقد أقر هذه الحقيقة فيما بعد رواد المدرسة الطبيعية، لاعتقادهم بوجود قوانين طبيعية صارمة، من أخذ بمقتضاها حقق التطور الاقتصادي، ومن خالفها لم يحقق إلاّ مزيدا من التخلف.
بناءً على ما سبق، يتبين لنا أنه ينبغي على الدولة أن تضمن وجودها واستمرارها، بوجود واستمرار النشاط الاقتصادي الحر، ولا