عند بداية حكم لحزب من الأحزاب السياسية ذات التوجهات المختلفة في مجال السياسة والاقتصاد، فتكون احتياجتهم المالية في بداية حكم قليلة، ثم ما تلبث أن تزداد باستمرار)، فتكون الجباية في البداية خفيفة على الأفراد، وعند ابن خلدون يتحقق ذلك عندما تكون الدولة في أول عهدها ملتزمة بتعاليم الإسلام، فلا تأخذ من الرعية إلا المغارم الشرعية التي تحقق وفرة في الإيرادات بسبب توسع أوعيتها وتعددها، فكلما كان مقدار الضريبة صغيرا كلما استطاع المكلف دفعها ولم يفكر إطلاقا في التهرب الضريبي الذي يؤدي إلى تقلص الجباية.
وبعد أن تستقر للدولة الأمور وتزداد نفقاتها بسبب زيادة أعمالها ونشاطاتها، تتوسع في فرض الضرائب وتنوع من أوعيتها، وهذا بهدف الحصول على الميزانية المتعادلة أي: BS = 0 (أي رصيد الميزانية) أو فائض في الميزانية، أي: BS (0 ، وقد تحقق الدولة أحد الهدفين لكن لفترة قصيرة، إذ يؤدي ذلك إلى التهرب الضريبي الذي تعاني منه الدول ذات النظام الضريبي المعقد أو المتميز بالضغط الجبائي الكبير، ويؤدي إلى خروج الكثير من المستثمرين من دائرة النشاط الاقتصادي بسبب كثرة التكاليف ومن ضمنها الضرائب التي تُعتبر تكلفة حقيقية ترفع من التكاليف الإجمالية للسلع والخدمات المنتجة، فترتفع أسعارها بما يفقدها الميزة التنافسية.
لقد ورد في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يؤكد على أن الجباية بالنسبة للدولة هي مسألة ضرورة وليست بهدف ملء خزائن الدولة بالأموال، فقد جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - قوله: ... » إنّمَا بُعِثْتُ هَادِيًا وَلَمْ أُبْعَث جَابِيًا « (1) ، ولا يعني ذلك أن الدولة في الإسلام لا تعتمد على الجباية لتغذية الميزانية العامة،