قوله رحمه الله [باب ما جاء في التغليظ فيمن عَبَدَ الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده] أي: من التشديد الذي يُصحب بالإنكار عند عبادة هؤلاء الصالحين أو اتخاذ قبورهم مساجد.
وقوله (عند قبر رجل صالح) ليس المقصود قصر الصلاح على الرجال دون النساء بل يدخل في ذلك النساء كما دخل الرجال، وإنما خص المصنف رحمه الله الصالحين دون غيرهم لما سبق معنا أن القلوب أكثر تعلقًا بأهل الصلاح من الرجال والعباد ونحوهم.
قال المصنف رحمه الله [وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن أم سلمة رضي الله عنها ذكرت للرسول - صلى الله عليه وسلم - كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال - صلى الله عليه وسلم - (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح ـ أو العبد الصالح ـ بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله) ]
قوله [في الصحيح] يعني: صحيح البخاري، وصحيح مسلم.
قوله [ (أن أم سلمة) ] وفي بعض الروايات الصحيحة: (أن أم حبيبة شاركتها الكلام في ذكر ما رأتا) .
قوله [ (كنيسة) ] الكنيسة ـ بفتح الكاف وكسر النون ـ أصلها (كِنشت) وإنما عُرِّبت فقيل: كنيسة، وهي مُتَعَبَّد اليهود. واختُلِف هل يطلق على مُتَعَبَّد النصارى كنيسة؟ أنكره الإمام الصنعاني، وجزم بخلافه عامة اللغويين أعني: أن عامة أهل اللغة جزموا أن الكنيسة تُطْلَق على مُتَعَبَّد أهل الكتاب من يهود ونصارى، مع أن الأصل أن مُتَعَبَّد النصارى يُطلق عليه (البِيَع) كما جاء في القرآن. و (البيع) هي المحل الذي يُتَعَبَّد فيه من قِبَل النصارى. وقال: بأرض الحبشة، والأصل أن أهل الحبشة كانوا على النصرانية، فساغ حينئذ أن ينعت مُتَعَبَّد النصارى بكونه كنيسة.
قوله [ (وما فيها من الصور) ] أي: من الصور المُلْفِتَة للأنظار، كما جاء في بعض الروايات أنها كانت تَصِفُ جمال تلك الصُّور وحسنها.
قوله [ (إذا مات فيهم العبد الصالح ـ أو الرجل الصالح ـ بنوا على قبره مسجدًا) ] الشك هنا من الراوي وليس من النبي - صلى الله عليه وسلم -، و (بنوا على قبره مسجدًا) أي: أنهم شيَّدوا على قبر هذا الرجل الصالح بناءً، ثم جعلوا يسجدون لله في هذا البناء، فهم لم يعبدوا هذا الإنسان وإنما عبدوا الله سبحانه وتعالى عند قبر هذا الرجل.
قوله [ (وصَوَّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله) ] (شِرار) ضد (خِيار) ، فالخلق قسمان شرار وخيار، فالشرار مأخوذ من الشَّر، والخيار مأخوذ من الخير.