فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 293

قوله [ (ثلاثة لا يدخلون الجنة، مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر) ]

سبق أن النفي بدخول الجنة نوعان، إما نفي لأبد وإما نفي لأمد، يعني لايدخلون الجنة أبدًا أو لا يدخلون الجنة لأمد ولزمن؛ ثم يدخلونها بعد ذلك، وهذان المعنيان مقرران عند أهل السنة والجماعة كما حكى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فأما الذي لا يدخل الجنة أبدًا فهو الذي أشرك بالله عز وجل لأن الله أخذ على نفسه وعدًا أن لا يغفر لمن أشرك معه أحدًا في شيء من الأشياء التي يتقرب فيها إلى الله عز وجل من العبادات ونحوها.

وأما غير الشرك فإنه داخل في عموم مشيئة الله سبحانه وتعالى إن شاء غفر لعبده فأدخله من أول وهلة في الجنان وإن شاء عذبه سبحانه ليظهر تمام عدله سبحانه وتعالى، ثم يكون مآله إلى الجنة، (ومدمن الخمر وقاطع الرحم ومصدق بالسحر) ينقسمون على ذينك القسمين السابقين، فالمصدق بالسحر لا ريب أنه مشرك بالله سبحانه وتعالى لأن السحر شرك كما سبق، ولأن معنى السحر يدخل في معنى الكهانة والعرافة وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - (من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه فقد كفر بما أُنزل على محمد) ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث يقول (ومصدق بالسحر) فهو داخل في جنس الكهانة والعرافة، أي: أن المصدق بالسحر مشرك كافر فهو لا يدخل الجنة أبدًا، وأما مدمن الخمر وقاطع الرحم فإنه داخل في مشيئة الله، إن شاء غفر له من أول وهلة فدخل الجنة ليظهر تمام رحمته بعباده وإن شاء عذبه في جهنم ثم يكون مآله إلى الجنة لأنه موحد، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ذكر لنا في غير ما حديث أن من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان فإن مآله إلى الجنة.

فمدمن الخمر وقاطع الرحم إذا كان موحدًا مؤمنًا يقول لا إله إلا الله بصدق وحق فإن مآله إلى الجنة وإن عذبه الله في جهنم، فيكون قوله مع مدمن الخمر وقاطع الرحم في الحديث يكون من باب التهديد والوعيد، ويكون قوله مع مصدق بالسحر على حقيقته لأن المصدق بالسحر مشرك كافر لا يدخل الجنة أبدًا ـ إذا مات على ذلك ـ.

وقوله (مدمن الخمر) المدمن هو: المداوم على الشيء.

وقوله (قاطع الرحم) أي: قاطع ذوي القرابة، وقد اختلف العلماء رحمهم الله في ضابط الرحم التي أوجب الله عز وجل أن توصل، على خلاف، أصحها ما ذكره الحافظ ابن حجر في كتابه (فتح الباري) من أن ذوي الرحم: هم كل من أدلى إلى الشخص من أبويه، واختار ... أبو الخطاب الكلوذاني والسفاريني وغيرهما: أن الرحم الواجب صلته هو الرحم المحرّم، فيخرج من ذلك البعداء الذين لم يدلوا إليه من جهة أبويه، ولا ريب أن الاستحباب قائم على صلة ذوي القربى البعداء وإن كانوا ليسوا من ذوي القربى القريبين من الشخص على المعنى الذي ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت