فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 293

قال الرياء) وللحديث بقية. قال المنذري ـ رحمه الله ـ في (الترغيب والترهيب) إسناده جيد، وقال الحافظ في (بلوغ المرام) سنده حسن، وصحح الحديث جماعة.

وفي هذا الحديث بيان لخوف النبي - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ الشرك الأصغر، وهم أفضل أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - تحقيقًا للتوحيد، وإتباعًا لهديه - صلى الله عليه وسلم -، فكيف بمن أتى بعدهم؟! فالخوف في حقهم أشد وآكد. وسبق معك حد الشرك الأصغر؛ وهو ما توفر فيه قيدان: ــ

* الأول: إطلاق اسم الشرك عليه في النص الشرعي.

* والثاني: أن يُعلم عدم كونه مخرجًا من الملة بالخبر وغيره. قاله العلامة عبد الرحمن بن القاسم*، وهو أحسن ما قيل في حد الشرك الأصغر. ومنه تعلم أن الشرك الأصغر يشمل الرياء وغيره كالحلف بغير الله سبحانه وتعالى، إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضرب الرياء مثلًا في هذا الحديث ولم يقصد حصر الشرك الأصغر في الرياء، وإنما اقتصر - صلى الله عليه وسلم - على الرياء لكثرة وقوعه ومشقة دفعه.

والرياء: مشتق من الرؤية، أي: أن العبد عندما يعمل عبادة كالصلاة، فإن قلبه يلتفت إلى رؤية الخلق له، فيقع في الرياء، وسبق معك أن أحكام الرياء تنقسم إلى قسمين: ـ

ـ إلى رياء يصاحب العمل من أصله، فهو مبطلٌ له اتفاقًا.

ـ وإلى رياء يطرأ على العبادة، فحكمه يختلف بحسب نوعية العبادة، فإن كانت مما يبنى آخرها على أولها ـ كالصلاة ـ فيفرّق بين استمرارية طروءه وبين طروءه مع الدفع، فالثاني لا يبطل والأول يبطل على الصحيح، كما هي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وجزم بها شيخ الإسلام.

وإن كانت العبادة ممالا يُبنى آخرها على أولها ـ كصوم رمضان ـ فالطروء حينئذٍ إذا استمر وأنِس به العبد أبطل ما تلبس به من جزء تلك العبادة. وسيأتي مزيد بيان ـ إن شاء الله ـ في أحكام الرياء في باب (الرياء) . ومناسبة هذا الحديث للباب ظاهرة إذ فيه خوف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه الشرك الأصغر فغيرهم من باب أولى.

قوله [وعن ابن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال (من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار) رواه البخاري] النِّد: هو الضِد والشبيه، قاله الأخفش، فهو يشتمل على معنيين: ـ

الأول: الشبيه والنظير، والثاني: الضد المخالف، وهذا ما جزم به المحققون من أهل اللغة وأهل فقه الحديث، كابن الأثير في (النهاية) . وعليه يكون المعنى في الحديث (من مات وهو يدعو لله نظيرًا مخالفًا دخل النار) فالمدعو هو نظيرٌ لله ـ عز وجل ـ بزعم الداعي، ويخالف الله حقيقة في ذاته وأسمائه وصفاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت