هذا الباب يقول عنه المصنف رحمه الله (باب لا يرد من سأل بالله) ، السؤال حقيقته الطلب، كما قال أهل اللغة ومنهم الجوهري في (الصحاح) .
وأصل سؤال الخلق شيئًا من المال ونحوه الحرمة، كما نص عليه غير واحد ومنهم ابن قيم الجوزية، فيحرم على الإنسان أن يسأل الآخرين مالًا ونحوه؛ إذ الأصل فيه الحرمة إلا أن إذا كان بحق؛ كأن يكون فقيرًا يطلب حقه من المال ونحو ذلك. وكذلك يكره سؤال الخلق في غير المال حتى لا تلتفت القلوب إلالله سبحانه، لذلك جاء في الصحيح أن من ضمن شروط البيعة التي بايع عليها الصحابةُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ألاّ يسألوا الناس شيئًا، لذلك كان أحدهم يسقط سوطه من على دابته فلا يسأل أحدًا أن يأتيه به؛ بل ينزل فيأخذه بنفسه كما جاء ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه وكذلك بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. فالسؤال الأصل فيه الكراهة بإطلاق من قبل المخلوق مع المخلوق، وأما إذا كان شيئًا ماليًا بغير حقه فإن الأصل فيه التحريم.
[عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (من استعاذ بالله فأعيذوه) ]
مضى معنا معنى الاستعاذة، أي من قال لك: أعوذ بالله من كذا فأعذه، ومن قال لك: أعوذ بالله منك أن تصيبني بسوء فلا تصبه بشيء ونحو ذلك.
[ (ومن سأل بالله فأعطوه) ] أي: من سألك بالله أن تعطيه كذا؛ فأعطه كما جاء في حديث المُبتلين عندما قال (أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن ... ) ، فمن سأل بالله على هذه الجهة ينبغي أن تعطيه ما سألك إياه.
[ (ومن دعاكم فأجيبوه) ] المقصود بالدعوة هنا الدعوة إلى الوليمة ونحوها، أي: من دعاكم إلى وليمة عرس وغيرها فأجيبوه، وجمهور أهل العلم على أن الحضور إلى وليمةة العرس واجب، آثم صاحبه إذا كان مستطيعًا على ذلك ولم يجبه، ويدل على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ومن لم يجب الداعي فقد عصى الله ورسوله) ، ولا شك أن هذا الأمر مقيدٌ بقيود كثيرة ذكرها أهل العلم، فليس كل دعوة تجاب، فإذا كانت الوليمة ليس فيها منكرًا، وإذا عُلم أن الوليمة ذبحت بطريقة شرعية، وما إلى ذلك من القيود. والمقصود أن الإشارة إلى الحكم مجردًا، ويتبع الحكم قيوده وشروطه المذكورة عند أهل العلم.
وأما غير وليمة العرس فاختلف أهل العلم في ذلك، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه إذا كانت الدعوة من باب الإكرام فالخيار للمدعو، وإن كانت ليست من باب الإكرام وإنما من باب الإلزام فإنه ينبغي عليه أن يلبي.