وهذا ما تدل عليه ظواهر النصوص من الوجوب فقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ذِكر النبي - صلى الله عليه وسلم - للحقوق الست التي هي للمؤمن على أخيه المؤمن، ومنها: إذا دعاك فأجبه.
[ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه] (معروفًا) نكره هنا، وهي في سياق الشرط فتعم كل معروف؛ سواءً كان ماديًا أو معنويًا، سواءً أكان بإعطائك قرضًا ماليًا أو غيره، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اقترض من أحد أرجعه وزاد عليه دون شرط مسبق بالزيادة، أو كان شئيًا معنويًا كإعانة في حمل شيء ونحو ذلك.
(فكافئوه) حقيقة المكافأة أن ترد الشيء بمثله؛ فإن زدت على ذلك فقد زدت على المكافأة.
(فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له) أي: من لم يستطع أن يكافيء الشيء بالشيء كأن يكون فقيرًا وقد أُعطِي من غني مالًا لا يستطيع أن يكافئه بارجاع المال، ونحو ذلك، فحينئذ يدعو له، وقد جاء عند الترمذي وحسنه وكذا عند غيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (من صُنِع له معروف فقال لفاعله جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء) . والمقصود أن الإنسان إذا لم يستطع المكافأة فليدعوا له، وأحسن الدعاء هو ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بصيغة (جزاك الله خيرًا) ، وهذه الصيغةة أحسن من قول (جُزِيت خيرًا) ونحوها من المبنى للمجهول؛ لأن التقيد بصيغة الشارع أولى من تغييرها.
(حتى تروا أنكم قد كافأتموه) (تروا) فيها ضبطان (تَرَوا) و (تُرَوا) وهذا لعله الضبط الأحسن؛ لأن الرواية الأخرى عند أبي داود جاءت بلفظ (حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه) ، لأن كلمة (تَرَوا) تأتي بمعنى العلم، أما (تُرَوا) فهي بمعنى الظن، فيكون ضبطها (تَرَوا) حتى تتفق مع رواية أبي داود، وقد جاءت في لفظ محفوظ ... (تُروا) فهو محتمل.
(أنكم قد كافأتموه) هذا يدل على أنه ينبغي للإنسان إذا كافأ أن يتيقن أنه قد كافأ لا أن يضع شيئًا لا يدري هل وفى الشيء حقه أم لا، وهل أتى بحقيقة المكافأة أم لا، وهذا هو المقصود.
[رواه أبو داود، والنسائي بسند صحيح] فقد صحح الحديث جمعٌ من أهل العلم، منهم النووي رحمه الله في (رياض الصالحين) ؛ حيث قال: حديث صحيح. وكذلك صححه الحافظ ابن حجر كما في (نتائج الأفكار) وكذا السخاوي رحمه الله في نقله عن ابن علان.
وقاعدة هذا الباب: أن السؤال يجاب، إذا كان السائل سأل بالله تعالى، إلا في حالتين: ـ
1)أن يكون فيه ضرر على المسؤل فحينئذ لا يلبي، لعموم حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا ضرر ولا ضرار) .