أعظم ما تُقُرِّب إلى الله به. ومن هنا يظهر وجه المناسبة بين هذه الآية وبين الترجمة التي ذكرها المصنف ـ رحمه الله ـ بقوله (باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله)
قوله [وقول إبراهيم {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براءٌ مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون} ] هذه الآية فيها دلالة واضحة على تفسير شهادة أن لا إله إلا الله ـ أعني شهادة التوحيد التي ترجم لها المصنف ـ رحمه الله ـ وذلك أنها مشتملة على الإثبات، إثبات استحقاق العبادة لله عز وجل وحده، ومشتملة على النفي، نفي استحقاق العبادة عما سوى الله عز وجل، وذلك في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام ... {إنني براءٌ مما تعبدون} فهذا فيه التَّبَرِّي من جميع المعبودات سواءً أكانت حسية كالأصنام، أم كانت معنوية كأي وثن من الأوثان.
وفي قوله {إلا الذي فطرني} فيه إثبات العبادة لله وحده وأنها خاصة به سبحانه وتعالى ... لا شريك له فيها، وأيضًا دلالة أخرى في تمام الآية، حيث أن تمام الآية فيها {وجعلها كلمة باقية في عقبه} فالكلمة كما جاء تفسيرها عن جمع من المفسرين كابن عباس وابن مسعود ومجاهد وقتادة والسُدّي وغيرهم أنها كلمة التوحيد، وروى الإمام الطبري رحمه الله في تفسيره عن قتادة وابن أسلم أن المقصود بهذه الكلمة الإسلام، ولكن معنى الإسلام يتضمن معنى التوحيد، بل يقوم عليه ويرجع إليه، فيتبين من هذا أنه لا اختلاف بين أقوال المفسرين في هذه الكلمة التي جعلها أبونا إبراهيم عليه السلام باقية في عقبه فيمن بعده من ذريته وولده إلى يوم القيامة، وأنها ترجع إلى كلمة التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله، المشتملة على الإثبات والنفي الوارد فيما قبلها من قوله تعالى ... {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براءٌ مما تعبدون إلا الذي فطرني} .
وقوله {في عقبه} العقب في اللغة لها معان: منها الأثر، ومنها الشيء الذي يخلف شيئًا، يقال أعقبه أي: خَلَفَهُ أو جعل شيئًا يَخْلُفُه، وأما في الآية هنا فقد جاء تفسيرها بأن العقب الذرية، وقال قتادة والسُدّي المقصود بالعقب الولد. وكلها تجتمع في كون العقب من يخلفه من ذريته وولد ولده إلى آخره، سواءً من بني إبراهيم - عليه السلام - أم من ذريته الذين هم على مشربه ومذهبه في التوحيد.
قوله [وقوله {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله} ] الأحبار واحدها حَبْرٌ، والحَبْرُ هو العَالِم. والرهبان مأخوذة من مادة (رَهَبَ) وهذه المادة تدل على الخوف وعلى التَنَسُّك والعبادة. والمقصود بالرَّهْبَنَة والرُّهبان هنا: هم العُبّاد المُتَنسِّكون الذين دفعهم خوف الله عز وجل إلى العبادة والتَّنسُّك.