والجواب: لا يجوز نفي هذا التعبير ولا إثباته، لأن النفي يقتضي نفي حق، ولأن الإثبات يقتضي إثبات باطل، وهذه الجمل التي تحمل في طياتها معنًا باطلًا ومعنًا حقًا فإن أهل السنة والجماعة لهم قاعدة مطردة فيها ألا وهي (التفصيل في الحكم والجواب، دون الإجمال في الحكم والجواب) .
فلا يُقال يثبت إرادة الشر لله وفعل الشر من الله بإطلاق ولا ينفى، بل يُفَصّل، لأننا إذا قلنا: الله أراد الشر أو لا يريد الشر فإن في ذلك إجمالًا، ووجهه أن الإرادة نوعان كما سبق، إرادة تقتضي المحبة، وإرادة بمعنى المشيئة والأمر، فإذا قلت أراد الله الشر، أي: أنه أحبه، لأن الإرادة تأتي بمعنى المحبة وتأتي بمعنى المشيئة، وهذا معنى باطل لا يجوز إثباته، إذ أن الله تعالى لا يحب الشر وخَلَقَ المفعولات فيها شر.
وفرق بين المشيئة والخلق، وبين المحبة، وكذلك لا يجوز النفي لأنك إذا قلت: لم يرد الله الشر، فإنه حينئذ ربما وقع النفي على المعنى الآخر للإرادة وهو المشيئة الذي هو بمعنى الأمر والقضاء ... والخلق.
وأما ما يتعلق بفعل الشر نفيًا وإثباتًا فوجه الإجمال فيه أن الفعل يأتي بمعنى الفعل القائم بالله ويأتي بمعنى المفعولات المنفصلة عن الله، فأنت إذا أثبتَّ فعل الله للشر ربما أتى على المعنى الأول وهو الفعل القائم بالله وهذا لا يجوز، وإذا نفيت ذلك ربما أتى على المعنى الثاني وهو وجود الشر في المفعولات وهذا حق فنَفَيْتَهُ 0 فهذا وجه الإجمال في الإرادة ووجه الإجمال في الفعل فتنبّه لهذين 0
ثم الجواب في ذلك هو التفصيل: فيقال بالنظر في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وجدنا نسبة الشر ليست إلا للمفعولات أو لمفعول حُذف فاعله وليس فيها نسبة الشر مفردًا إلى الله عز وجل 0
وأما فعل الشر فجاء دخوله في ذلك على وجه الإطلاق والعموم في عموم المخلوقات كقوله تعالى {الله خالق كل شيء} فحينئذ يتبين أن ورود ذلك أتى على ثلاثة أقسام: ــ
كما قال ابن القيم وقبله ابن تيميه رحمهما الله تعالى؛
* القسم الأول: كقوله تعالى {من شر ما خلق} فهذا إضافة الشر إلى سببه وهي المفعولات كالإنسان 0
* القسم الثاني: مع حذف الفاعل كقوله تعالى {أشر أريد بمن في الأرض .. } الآية، فهنا حُذف الفاعل.
* القسم الثالث: دخول الشر في عموم الخلق للأشياء كقوله تعالى {الله خالق كل شيء} إلى فاعله. فحينئذ لا يجوز إضافة الشر إلى الله لا فعلًا ولا إرادة، لا نفيًا ولا إثباتًا على وجه الإجمال، وإنما يجوز على حسب هذه الطرائق التي ورد بها القرآن.