الواضعين.
ثم ظهرت الفلسفة واختلفت الآراء في العقائد. فصنفوا الكتب على نمط الكلام وأرخوا عنان الخيال. وتشبت كل فرقة من الروايات والفلسفة بما أعجبها. فكثرت وجوب التأويل حتى صار الأمر الواضح مشتبها. وأظلمت سبل التفسير وأغلق باب القرآن. ولكثرة الآراء وتشاجر الروايات ضاع الحكم الفيصل. والتفسير الرازي -رحمه الله- أصدق شاهد على ما نقول فإنه جعل القرآن كتابا مشتبها، ملتبسا لأرجاء في فهمه. لما جاء بوجوه كثرت حيث لا يحتمل الكلام إلا سمتا واحدا. فلا تراه إلا يغادرك بين سبل متفرقة لا تدري أيها تسلك؟ ثم قال: 'إن القرآن كله مظنون الدلالة' انظر 'المقدمة على المحكم والمتشابه' وههنا نورد أمثلة لإكثاره بالوجوه:
قال في آية {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [1] : المراد من الفتح، فتح مكة، فتح طائف، فتح خيبر، فتح عام، فتح العلوم، فتح المعقولات
وما علمت الدواء لهذا الداء العضال إلا التمسك بالقرآن ورد الروايات والآراء إلى كتاب الله وهذا لا يكون إلا أن نؤمن بأن"القرآن لا يحتمل إلا تأويلا واحدا". وقد قدمت القول في أن القرآن"قطعي الدلالة"وليس لعبارته إلا مدلول واحد، فها أنا أذكر أصولا بها يتضح سبيل التأويل الواحد.
(1) النصر 100: 1