الراشدة، فكانوا يقضون بكتاب الله وسنة رسوله ولا يحيدون عنهما، فأسست قواعد السياسية على حكم الله. فلما صارت الخلافة إلى الذين هم أشبه بالملوك، لزمهم اتباع أحكام الشريعة، فالتجأوا إلى العلماء لتدوين جزئيات الأحكام، والعلماء كذلك لم يسع لهم أن يقترحوا من عند أنفسهم حكما، خوفا من الله الذي أعلن بإكمال الدين. ثم أراهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفاؤه -رضي الله عنهم أجمعين- كيف تشبثوا في كل أمر بالشريعة؟ فالتجأوا إلى أعمال الرأي والقياس في القرآن، وفي ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم. وكان ذلك عليهم حملا باهضا لاختلاف الروايات.
فمنهم من اطمأنوا بالأحاديث بعد النقد كأكثر أصحاب الروايات لما علموا أن كلام النبي لا بد أن يوافق بالقرآن وهكذا كلام الصحابة بكلام النبي. ووجدوا في الأحاديث فسحة. فجعلوها أصلا لقلة الخطر فيها وفسروا القرآن بها، حتى أن أصبح زمام القرآن بيد الحديث، فقل اعتناؤهم بفهم معاني القرآن، وأولوه إلى ما يخالف آياته. وكان عليهم أن يأولوا الأحاديث إلى القرآن. فإني رأيت كم من روايات متضادة حسب الظاهر توافقت حين أولناه إلى القرآن. فإن القرآن كالمركز، وإليه ترجع الأحاديث من جهات مختلفة كما تجد تفصيله في كتابنا"إحكام الأصول بأحكام الرسول". [1]
ومنهم من احتاطوا لوهن أسباب الجرح والتعديل ورأوا التشبث
(1) وهذا الكتاب غير مطبوع لأستاذنا الإمام الفراهي رحمه الله تعالى (الجامع) .