الإيجاب: ما صدر أولًا من أحد المتعاقدين دالاًّ على رضاه.
والقبول: ما صدر ثانيًا من المتعاقد الثاني جوابًا للأول [1] .
وذهب الجمهور إلى أن:
الإيجاب هو: ما صدر ممن يكون منه التمليك، سواء صدر أولًا أو صدر ثانيًا.
والقبول هو: ما صدر ممن يصير إليه الملك دالًا على رضاه، وإن جاء متقدمًا [2] .
والذي يرجحه الباحث هو قول الحنفية، لسهولته في التمييز بين الإيجاب والقبول؛ لأنه بالإمكان التمييز بينهما بمجرد أن نعرف أيهما صدر أولًا، حيث يكون الأول مثبتًا، والثاني رضًا وقبولًا بفعل الأول، وهذا التيسير هو الأولى بالاتباع في معاملات الناس، وهذا الذي ذهب إليه كثير من الفقهاء المعاصرين [3] .
وقد ذهبت كثير من القوانين الوضعية إلى تسمية ما يصدر أولًا من المتعاقدين إيجابًا وما صدر ثانيًا قبولًا [4] .
والإيجاب والقبول حقيقته تعبير عن إرادة المتعاقدين، وهذا التعبير يأخذ صورًا مختلفة، فقد يكون باللفظ، أو بالكتابة، أو بالإشارة المعبرة عن الإرادة، أو بدلالة الحال وهي تبني موقفًا لا تدع ظروف الحال شكًا في دلالته على المقصود، فالإيجاب والقبول إذن اسم لكل تعاقد بين طرفين، إثباته يسمى إيجابًا، والتزامه يسمى قبولًا، وهذا هو مذهب المالكية واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية [5] .
بينما يقصر الجمهور إطلاق الإيجاب والقبول على الصيغة القولية فقط، من باب التخصيص العرفي من قبل هؤلاء الفقهاء، وليس تخصيصًا شرعيًا [6] ، ولهذا فإن الأخذ بالقول الأول وهو تعميم الإيجاب والقبول على كل ما يدل على إرادة المتعاقدين هو الأصلح لعدم معارضته نصًا شرعيًا، ولشموله ولموافقته اللغة ومبدأ الرضائية في العقود، والسهولة في التطبيق، وهو الذي يسير عليه الباحث هنا.
وتقدم في ثنايا البحث جواز إجراء العقود بالكتابة، وبالصوت فقط، وبالصوت والصورة عبر
(1) انظر: كمال الدين ابن الهمام، مرجع سابق (6/ 248) ، ومحمود العيني، مرجع سابق (6/ 193) .
(2) انظر: أبا البركات الدردير، مرجع سابق (3/ 3) ، ومحمد عرفة الدسوقي حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (3/ 3) ، وعبدالكريم الرافعي، العزيز شرح الوجيز، (4م9) ، ومحيي الدين النوري، روضة الطالبين، مصدر سابق (3/ 338) ، وبرهان الدين ابن مفلح، المبدع في شرح المقنع، المكتب الإسلامي (4/ 4) ، ومنصور البهوتي، كشاف القناع، عالم الكتب، بيروت، ط 1403هـ (3/ 146) .
(3) انظر: مصادر الحنفية السابقة، ومحمد شلبي، مصدر سابق (ص 419) ، ود. عدنان التركماني، ضوابط العقد في الفقه الإسلامي، مكتبة دار المطبوعات الحديثة، جدة، ط ثانية 1413هـ (ص 42) .
(4) مثلًا القانون المدني الأردني وفقًا للمادة رقم (91/ 2) ، والقانون المدني اليمني وفقًا للمادة رقم (151) ، انظر: أحمد العجلوني، مرجع سابق (ص 65) ، وقانون المعاملات المدنية في الإمارات وفقًا للمادة رقم (131) ، انظر: محمد أمين الرومي، مصدر سابق (82) .
(5) انظر: أبا الوليد الباجي، المنتقى شرح الموطأ، مصور عن الطبعة الأولى سنة 1332هـ، مطبعة السعادة، مصر (4/ 157) ، ومحمد المغربي المعروف بالحطاب، مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، دار الفكر، ط ثانية 1398هـ (4/ 228، 229) ، وشمس الدين ابن مفلح، النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر، بهامش المحرر، مكتبة المعارف، الرياض، ط ثالثة 1404هـ (1/ 260) .
(6) انظر: علاء الدين الكاساني، مرجع سابق (5/ 133) ، ومحيي الدين النووي، المجموع (9/ 162) ، وموفق الدين ابن قدامة، المغني (6/ 7) .