هذا الحكم فيما إذا كان إجراء العقد بين طرفين معينين يجريانه بينهما مباشرة، أما إذا كان الإيجاب ليس موجهًا لمتعاقد محدد، بل موجهًا للجمهور من خلال الإنترنت، كأن يكون بثًا مباشرًا لمزادٍ أو نحوه، أو إعلان مباشر موجه للجمهور من خلال مواقع أمنية أو غيرها بأن من بلغ عن جريمة أو مجرم أو نحو ذلك فله كذا وكذا، فتقدم شخص وقبل العقد، أو نفذ الأمر المعلن عنه، فإن العقد يكون صحيحًا؛ لأن الأساس في العقد هو الرضا المتمثل في صدور الإيجاب والقبول، ووصول كل منهما إلى علم الآخر بصورة معتبرة شرعًا، وفهم كل واحد منهما ما طلبه الآخر [1] ، وهذا كله متمثل في هذا العقد.
حكم هذه الصورة من التعاقد: حكم التعاقد بين المتباعدين الذين يرى أحدهما الآخر ويسمعه بوضوح تام، وقد نص الفقهاء - رحمهم الله - على صحته، قال النووي - رحمه الله - في أصل المسألة: =لو تناديا وهما متباعدان، وتبايعا، صح البيع بلا خلاف+ [2] .
وقد تقدم أن إجراء عقود التجارية الإلكترونية عبر الإنترنت بالصوت مباشرة صحيح شرعًا بحالتيه المذكورتين آنفًا، وقد دلل الباحث على ذلك - فلا داعي لتكراره - والعقد هنا في الحالتين أولى بالصحة؛ لأنه يضاف إلى الصوت: الصورة، حيث يرى كل من المتعاقدين الآخر أمامه مباشرة، ويكلمه مباشرة، ويتم الإيجاب والقبول والتفاوض على بنود العقد وشروطه، وكل من المتعاقدين يسمع المتعاقد الآخر ويراه، كأنه جالس معه في مجلسه الذي هو فيه، مما يزيل اللبس، ويزيد في تأكيد معنى الرضا بين المتعاقدين.
المسألة الثالثة: إجراء عقود التجارة الإلكترونية عبر الإنترنت بالاتصال غير المباشر بالصوت والصورة، أو بالصوت غير المباشر:
هذه الصورة بحالتيها: الموجهة لمتعاقد بذاته، والموجهة للجمهور، ينقل فيها الصوت والصورة، أو الصوت بطريق تسجيل عرض الموجب للعقد وبنوده وشروطه، على الطرف الثاني لمعرفة موقفه، يكون فيها زمان الإيجاب مختلفًا عن زمان القبول، ومكان المتعاقدين متباعدًا.
والعقد بهذه الكيفية، يلحق بالتعاقد بالرسالة الإلكترونية المكتوبة بين الغائبين عبر الإنترنت، وتقدم أنه عقد صحيح، وقد دلل الباحث على ذلك، فلا داعي لإعادته هنا، ويزيد العقد هنا على ذلك بحصول عنصر الرؤية والمشاهدة، أو سماع الصوت، مما يزيد في التأكد من الرضا المعبر عن إرادة المتعاقد باللفظ المسموع، أو باللفظ والصورة، وبناءً عليه يكون مؤكدًا صحة العقد [3] . والله تعالى أعلم.
(1) انظر: د. علي القره داغي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، مرجع سابق (ع 6/ 2/940) .
(2) المجموع شرح المهذب، مرجع سابق (9/ 181) .
(3) انظر: د. نور الدين الخادمي، مرجع سابق (ص 361) ، ود. عبدالرزاق الهيتي (ص 38) .