الجوهرية وإتمام العقد عندئذ، ويكون القضاء فيصلًا في الخلاف على المسائل التفصيلية التي اختلف عليها العاقدان [1] .
وفي بعض الحالات يتلقى بعض المتعاملين مع شبكة الإنترنت، أو أصحاب البريد الإلكتروني رسالة إلكترونية تتضمن إيجابًا لعقد أو خدمة منصوص فيها على أنه إذا لم يرد على هذا العرض خلال مدة معينة اعتبر ذلك قبولًا، فإذا لم يرد خلال الفترة المحددة فالأصل في هذه الحالة نص القاعدة الفقهية: =لا ينسب للساكت قول+ [2] . ويعتبر السكوت قبولًا إذا اقترن به قرينة قوية ترجح دلالة السكوت على قبول العقد [3] .
ومن المسائل المهمة أنه يجري العمل في التجارة الإلكترونية على صياغة عقود نموذجية معدة سلفًا، يقتصر القبول فيها على مجرد التسليم بشروط مقررة، يضعها الموجب، ولا يقبل مناقشة فيها، على غرار العقود التي تعدها كبرى الشركات والمؤسسات كعقود المرافق العامة (المياه - الهاتف - الكهرباء) وعقود النقل الجوي ونحو ذلك. وقد أطلق على هذا النوع من العقود تسمية (عقود الإذعان) ، وتدخلت القوانين المختلفة وجمعيات حماية المستهلكين للحد من الآثار المحتملة للشروط التعسفية التي تفرضها شركات الاحتكار.
وفي مجال التجارة الإلكترونية وجدت شركات احتكار فعلية على شبكة الإنترنت، تقوم بتسويق بضائعها وتحدد أسعارها وتضع شروطها ولا تجد من ينافسها، وما على الطرف الآخر إلا أن يقبل هذه الشروط ويذعن لها. مثل ذلك: شركة مايكروسوفت التي تحتكر غالبية البرامج عبر كافة أنحاء العالم، وكذلك الشركات العالمية التي تندمج معًا وتشكل (كارتل) عالمي لا يجرؤ غيره على منافسته.
وإذا استعرضنا موقف الفقه الإسلامي - في مختلف مذاهبه - إزاء عمليات الاحتكار التي كانت سائدة في المجتمع الإسلامي لوجدنا أن الفقهاء لم يقصِّروا في وضع الأسس العامة التي تمنع الاحتكار وتضرب على أيدي المستغلين وترفع الضرر عن الناس الذين يضطرون إلى ما نسميه اليوم بعقود الإذعان، حتى لا يحتكر شخص - طبيعي أو معنوي - سلعة ضرورية، فيرفع سعرها ويبيعها كما يريد، فيذعن طالب السلعة لإرادته ويرضخ لشروطه، وذلك لحاجته إلى هذه السلعة.
وقد رأى كثير من الباحثين المعاصرين - حماية لمتلقي السلع أو الخدمات عن طريق الإنترنت - ضرورة اتخاذ خطوات كافية لإعلام المتلقي بصورة واضحة بما تتضمنه العقود النموذجية من شروط ملزمة حتى يكون قبوله لها مجردًا من وسائل الخداع والتمويه.
(1) انظر: محمود الشريفات، مرجع سابق (ص 144، 145) .
(2) انظر: زيد الدين ابن نجيم، الأشباه والنظائر، (ص 154) ، وجلال الدين السيوطي، الأشباه والنظائر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط أولى 1399 هـ (ص 142) .
(3) د. عبدالرحمن السند، مرجع سابق (ص 177) ، ود. أسامة مجاهد، مرجع سابق (ص 154) .