تراخي القبول عن الإيجاب ماداما في مجلس العقد، ولم يتشاغلا بما يقطعه عرفًا، وإن كان أحدهما غائبًا فيكون اتصال القبول بمجرد وصول الإيجاب إلى علمه، وسيأتي لهذه المسألة مزيد بيان وتفصيل [1] .
وقد يكون اجتماع العاقدين حكميًا كما في حالة التعاقد عن طريق الاتصال المباشر عبر الإنترنت سواء كان صوتيًا أم مرئيًا، وفي حالة التعاقد عن طريق غرف المحادثة بالكتابة أو مجموعات الأخبار المباشرة، فإذا كان معها صوت أو صورة كان أولى، وفي هذه الحالات يقرب المجلس من مجلس العقد الحقيقي، حيث يصدر القبول عقب الإيجاب مباشرة، وإلا فيتصل القبول بالإيجاب إلى آخر المجلس، وأما على اتصال مباشر، ولم يتشاغلا بما يقطعه عرفًا، فإذا انقضت المحادثة أو الاتصال دون صدور قبول سقط الإيجاب، وكأنه لم يكن [2] .
وقد يبقى الإيجاب في عقود التجارة الإلكترونية عبر الإنترنت فترة في حالات منها إذا حدد الموجب على الموقع أو في الرسالة ونحوها مدة لإيجابه، فإن القبول يجب أن يرتبط بهذه المدة، بحيث إذا وجد القبول بعدها فلا اعتبار له [3] .
2 -أن يكون القبول موافقًا للإيجاب، وذلك لأن التوافق والتطابق بين القبول والإيجاب يدل على الرضا، ومن ثم يجب أن يشتمل القبول على جميع جزئيات الإيجاب، وإذا انعدم التوافق بين الإيجاب والقبول انعدم التراضي. وقد يكون التوافق حقيقيًا إذا ورد كل من الإيجاب على القبول على شيء واحد، وقد يكون ضمنيًا إذا كانت مخالفة القبول للإيجاب لمصلحة الموجب، إذ ينعقد العقد مع هذه المخالفة؛ لأنها تدل في حقيقتها على الرضا بأبلغ وجه [4] .
ويشير الباحث هنا إلى أن أغلب العقود التي تبرم عبر شبكة الإنترنت يتم إبرامها بين مواقع الويب الإلكترونية، وبين جمهور مستخدمي الشبكة عبر نماذج العقود التي تطرحها هذه المواقع، حيث تتضمن بنودها كافة المسائل الجوهرية والتفصيلية التي يراها صاحب الموقع مناسبة له، وليس أمام المتعاقد إذا رغب بالتعاقد إلا الضغط على خانة القبول في هذا العقد النموذجي معبرًا عن قبوله للتعاقد، وبالتالي يكون قبولًا مطابقًا للإيجاب مطابقة تامة.
وأن العقود التي تبرم عبر تبادل الرسائل الإلكترونية، أو خدمات الاتصال المباشر - صوتي أو مرئي أو كتابي - يتصور وجود القبول المطابق فيها للإيجاب حيث يتم العقد، ويتصور وجود الرسائل أو الصيغة التي تتضمن تعديلًا من قبل المتعاقد على الإيجاب زيادة أو نقصًا، أو تتضمن خلافًا على المسائل الجوهرية أو التفصيلية، فلا يتم العقد إلا باتفاق بين الطرفين على المسائل الجوهرية والتفصيلية، أو على
(1) انظر: علاء الدين الكاساني، مصدر سابق، (5/ 137) ، ومنصور البهوتي، مصدر سابق (3/ 147، 148) .
(2) انظر: أحمد العجلوني، مرجع سابق (ص 75) ، ومحمود الشريفات، مرجع سابق (ص 139) .
(3) انظر: نضال إسماعيل برهم، مرجع سابق (ص 42) .
(4) انظر: علاء الدين الكاساني، مصدر سابق (5/ 136) ، وكمال الدين ابن الهمام، مصدر سابق (6/ 253 - 256) ، ومحيي الدين النووي، روضة الطالبين (3/ 340) ، ومنصور البهوتي، كشاف القناع (3/ 147، 148) ، ومصطفى السيوطي الرحيباني، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى، ط ثانية، بيروت 1415هـ (3/ 7، 8) ، والبعلي، مرجع سابق (ص 119، 120) .