خلص الباحث إلى إباحة التجارة الإلكترونية وعقودها سواء اعتبرت عقودًا مسماة أو غير مسماة، وسنتناول في هذا المطلب حكم إجراء عقود التجارة الإلكترونية عبر الإنترنت، وقد عرفنا أن إجراء العقود عبر الإنترنت تكون بواسطة برامج وإعدادات وطرق مختلفة، ولكنها لا تخرج عن كونها في الغالب تجرى بالكتابة الإلكترونية، أو بالصوت أو بهما، أو بالصوت والصورة. وسنتناول أحكامها في الفروع التالية:
الفرع الأول: حكم إجراء عقود التجارة الإلكترونية كتابة عبر الإنترنت:
ويمكن تصور الحالتين التاليتين:
الحالة الأولى: حكم إجراء عقود التجارة الإلكترونية كتابة بين العاقدين عبر الإنترنت إذا كانا في حكم الحاضرين، ويمكن تصور ذلك في حالات منها إذا كان المتعاقدان في غرفة محادثة معًا على الخط مباشرة وكل منهما يكتب ويرى صاحبه كتابته مباشرة إذا اعتبرنا أنهما في حكم الحاضرين.
الحالة الثانية: إجراء عقود التجارة الإلكترونية كتابة بين العاقدين عبر الإنترنت إذا كانا في حكم الغائبين، ويكون ذلك في حالات منها: إذا كان العقد بالمراسلة عن طريق البريد الإلكتروني، أو إذا كان بالعقد النموذجي، أو عن طريق موقع الشركة أو البائع أو الطرف العارض للسلعة أو الخدمة، أو موقع المزاد أو السوق التجاري الإلكتروني أو نحو ذلك (صفحة الويب) إذ أنه يوجد عقد مكتوب في الموقع مسبقًا، فإذا أراد الطرف الآخر التعاقد على هذه السلعة أو الخدمة أو المعلومة فإنه يرسل بموافقته، وتتم إجراءات العقد والتوقيع عليه، وربما التنفيذ وتبادل السلعة وثمنها عن طريق الإنترنت والحاسب الخاص بالمتعاقد.
ففي هاتين الحالتين يتم إجراء العقد عن طريق الكتابة الإلكترونية التي يكتبها المتعاقد على لوحة مفاتيح الحاسب الآلي، أو تكون مكتوبة مسبقًا على الموقع أو مرسلة للبريد الإلكتروني، فيتعامل معها الطرف الآخر بكتابة إلكترونية وهكذا تتم إجراءات العقد بحيث تنتقل الكتابة بين الطرفين كما هي دون زيادة أو نقصان، فتأخذ حكم الكتابة العادية تمامًا، وقد وقع الخلاف بين أهل العلم في حكم إجراء العقود التجارية بالكتابة [1] ، ولهم في ذلك ثلاثة اتجاهات هي:
1 -اتجاه التضييق، وهو عدم جواز الكتابة لإنشاء العقود بها إلا بالنسبة للعاجزين عن الكلام، وهو وجه للشافعية [2] .
2 -اتجاه التوسط، وهو جواز إنشاء العقود التجارية بالكتابة بين الغائبين دون الحاضرين، وهو مذهب
(1) انظر: د. نور الدين الخادمي، بحث عقود البيع والشراء والنكاح بالإنترنت وأجهزة الاتصالات الحديثة، مطبوع ضمن بحوث فقهية من الهند، عن مجمع الفقه الإسلامي - الهند، ط أولى 1424 هـ، دار الكتب العلمية، بيروت (ص 348) .
(2) انظر: إبراهيم بن علي الشيرازي، المهذب - مع شرحه المجموع للنووي -، ومحيي الدين بن شرف النووي، المجموع شرح المهذب، دار الفكر (9/ 162، 167) .