فمن خلال هذه النصوص يتضح لنا أن مجلس العقد بالنسبة للمتعاقدين بطريق الكتابة أو الرسول هو مجلس بلوغ الإيجاب للقابل، وأن زمان انعقاد العقد هو الوقت الذي حصل فيه إعلان القبول، وأن العقد يصح وينعقد بمجرد صدور القبول [1] .
وهذا هو الذي قرره مجمع الفقه الإسلامي بشأن حكم إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة، حيث ورد في قراره:
=إذا تمَّ التعاقد بين غائبين لا يجمعهما مكان واحد، ولا يرى أحدهما الآخر معاينة، ولا يسمع كلامه، وكانت وسيلة الاتصال بينهما الكتابة أو الرسالة، =السفارة+ =الرسول+ وينطبق ذلك على البرق والتلكس والفاكس، وشاشات الحاسب الآلي (الكمبيوتر) ففي هذه الحالة ينعقد العقد عند وصول الإيجاب إلى الموجب إليه وقبوله+ [2] .
وبناء على ذلك فإن مجلس العقد يتم بين المتعاقدين الغائبين في عقود التجارة الإلكترونية عبر الإنترنت عن طريق رسائل البريد الإلكتروني، والعقد كتابة عبر المواقع التجارية على الشبكة، ونحو ذلك (السجل الإلكتروني) في نفس المجلس الذي يتم فيه علم من وجه إليه الخطاب واطلاعه عليه، وأن هذا العقد يكون تامًا بمجرد صدور القبول ممن وجه إليه الخطاب وإعلانه له، سواء علم الموجب بذلك أم لم يعلم، إلا إذا كان الموجب قد رجع عن إيجابه قبل اقتران القبول به، فإنه لا يعتد عندئذ بالقبول سواء أعلم القابل بالرجوع أم لم يعلم.
وأما مشروع نظام التعاملات الإلكترونية السعودي فإنه لم يصرح بتحديد زمان ومكان انعقاد العقد وترك للائحته التي ستصدر بعد إقرار النظام طريقة تحديد وقت ومكان إرسال السجل الإلكتروني وتسلمه، كما ترك لها تحديد الشكل الذي يحصل به إقرار التسليم ما لم يتفق المنشئ مع المرسل إليه على تحديد هذا الشكل [3] .
الخيارات المترتبة على مجلس العقد هي: خيار الإيجاب، وخيار القبول، وخيار المجلس، وسنوضح ذلك بإيجاز.
أ - خيار الإيجاب: يجوز على رأي جمهور الفقهاء ما عدا المالكية للموجب الرجوع عن إيجابه ما لم يقترن به قبول من وجه إليه الخطاب، فإذا ما اقترن به قبول من وجه إليه الخطاب، فإنه يصبح حينئذ عقدًا لازمًا لكلا الطرفين مباشرة، عند النافين لخيار المجلس، وإلى أن ينتهي مجلس العقد مجلس وصول الخطاب، لدى المثبتين لخيار المجلس [4] .
(1) انظر: د. عبدالرزاق الهيتي، مرجع سابق (ص 72) .
(2) انظر القرار في مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد السادس، الجزء الثاني 1410 هـ، (ص 1267، 1268) .
(3) المادة الثانية عشرة من مشروع نظام التعاملات الإلكترونية السعودي.
(4) انظر: علاء الدين الكاساني، مرجع سابق (5/ 138) ، وكمال الدين ابن الهمام، مرجع سابق (5/ 253، 254) ، ومحمد عرفة الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، (3/ 4) ، ومحيي الدين النووي، روضة الطالبين (3/ 339) ، ومنصور البهوتي، كشاف القناع (3/ 147) .